موقع الشيخ بن باز


 

  لتحميل حلقة الرقية الشرعية للشيخ أبو البراء اضغط هنا


ruqya

Icon36 صفحة المرئيات الخاصة بموقع الرقية الشرعية

الموقع الرسمي للشيخ خالد الحبشي | العلاج بالرقية الشرعية من الكتاب والسنة

الأخوة و الأخوات الكرام أعضاء منتدنا الغالي نرحب بكم أجمل ترحيب و أنتم محل إهتمام و تقدير و محبة ..نعتذر عن أي تأخير في الرد على أسئلتكم و إستفساراتكم الكريمة و دائماً يكون حسب الأقدمية من تاريخ الكتابة و أي تأخر في الرد هو لأسباب خارجة عن إرادتنا نظراً للظروف و الإلتزامات المختلفة

 
العودة   منتدى الرقية الشرعية > أقسام المنابر الإسلامية > المنبر الإسلامي العام

الملاحظات

صفحة الرقية الشرعية على الفيس بوك

إضافة رد
 
 
أدوات الموضوع
New Page 2
 
 

قديم 08-02-2007, 06:08 PM   #1
معلومات العضو
الليبي السلفي
إشراقة إشراف متجددة

Thumbs up ( && المتجرئون على الفتيا في وسائل الاعلام && ) !!!


بسم الله الرحمن الرحيم


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله الطيبين الطاهرين وبعد:

لقد كثر في زماننا هذا المتجرئون على الفتيا وكثر شرهم خاصة وان اكثر الناس اصبحوا من العوام وان ادعى العلم بعضهم، وقد ساعد على انتشار هذه الظاهرة جهل الناس بامور دينهم وما هو واجبهم تجاه العلماء واهل العلم، وقلة الورع هذا من جهة. وحب الترأس والظهور من جهة اخرى. والتحزب المقيت من جهة ثالثة. ولما كان هذا حالنا والله المستعان وددت إن اذكر نفسي واياكم ولمن يصل اليه هذا المقال بالوعيد الشديد وخطر تولى ذلك وان هذا ناتج عن قلة العلم والتقوى عند هؤلاء والله المستعان, راجيا من الله إن يتقبل عملي هذا لوجه الكريم انه ولي ذلك والقادر عليه


( المحرمات على مراتب أربع وأشدها القول على الله بغير علم)

وقد حرم الله سبحانه القول عليه بغير علم في الفتيا والقضاء وجعله من أعظم المحرمات بل جعله في المرتبة العليا منها فقال تعالى: **قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون**، فرتب المحرمات أربع مراتب وبدأ بأسهلها وهو الفواحش ثم ثنى بما هو أشد تحريما منه وهو الإثم والظلم ثم ثلث بما هو أعظم تحريما منهما وهو الشرك به سبحانه ثم ربع بما هو أشد تحريما من ذلك كله وهو القول عليه بلا علم وهذا يعم القول عليه سبحانه بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله وفي دينه وشرعه وقال تعالى: ** ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع قليل ولهم عذاب أليم.**

فتقدم إليهم سبحانه بالوعيد على الكذب عليه في أحكامه وقولهم لما لم يحرمه هذا حرام ولما لم يحله هذا حلال وهذا بيان منه سبحانه أنه لا يجوز للعبد أن يقول هذا حلال وهذا حرام إلا بما علم أن الله سبحانه أحله وحرمه.

وقال بعض السلف ليتق أحدكم أن يقول أحل الله كذا وحرم كذا فيقول الله له كذبت لم أحل كذا ولم أحرم كذا فلا ينبغي أن يقول لما لا يعلم ورود الوحي المبين بتحليله وتحريمه أحله الله وحرمه الله لمجرد التقليد أو بالتأويل.

وقال ابن وهب سمعت مالكا يقول لم يكن من أمر الناس ولا من مضى من سلفنا ولا أدركت أحدا اقتدى به يقول في شيء هذا حلال وهذا حرام وما كانوا يجترئون على ذلك وإنما كانوا يقولون نكره كذا ونرى هذا حسنا فينبغي هذا ولا نرى هذا ورواه عنه عتيق بن يعقوب وزاد ولا يقولون حلال ولا حرام أما سمعت قول الله تعالى: ** قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آ لله أذن لكم أم على الله تفترون**، الحلال ما أحله الله ورسوله والحرام ما حرمه الله ورسوله.

والمقصود أن الله سبحانه حرم القول عليه بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه والمفتي يخبر عن الله عز وجل وعن دينه فإن لم يكن خبره مطابقا لما شرعه كان قائلا عليه بلا علم ولكن إذا اجتهد واستفرغ وسعه في معرفة الحق وأخطأ لم يلحقه الوعيد وعفى له عن ما أخطأ به وأثيب على اجتهاده ولكن لا يجوز أن يقول لما أداه إليه اجتهاده ولم يظفر فيه بنص عن الله ورسوله إن الله حرم كذا وأوجب كذا وأباح كذا وإن هذا هو حكم الله قال ابن وضاح ثنا يوسف بن عدي ثنا عبيدة بن حميد عن عطاء بن السائب قال قال الربيع بن خيثم: "إياكم أن يقول الرجل لشيء إن الله حرم هذا أو نهى عنه فيقول الله كذبت لم أحرمه ولم أنه عنه أو يقول إن الله أحل هذا أو أمر به فيقول الله كذبت لم أحله ولم آمر به"، قال أبو عمر وقد روى عن مالك أنه قال في بعض ما كان ينزل به فيسأل عنه فيجتهد فيه رأيه: ** إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين.**

( الوعيد وخطر تولي الافتاء)

وأما المفتي ففي سنن أبي داود من حديث مسلم بن يسار قال سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من قال علي ما لم أقل فليتبوأ بيتا في جهنم ومن أفتى بغير علم كان إثمه على من أفتاه ومن أشار على أخيه بأمر يعلم لرشد في غيره فقد خانه )فكل خطر على المفتي فهو على القاضي وعليه من زيادة الخطر ما يختص به ولكن خطر المفتي أعظم من جهة أخرى فإن فتواه شريعة عامة تتعلق بالمستفتى وغيره، وأما الحاكم فحكمه جزئي خاص لا يتعدى إلى غير المحكوم عليه وله فالمفتي يفتي حكما عاما كليا أن من فعل كذا ترتب عليه كذا ومن قال كذا لزمه كذا والقاضي يقضي قضاء معينا على شخص معين فقضاؤه خاص ملزم وفتوى العالم عامة غير ملزمة فكلاهما أجره عظيم وخطره كبير.

.

( كراهية الائمة للفتيا)

.وكان السلف من الصحابة والتابعين يكرهون التسرع في الفتوى ويود كل واحد منهم أن يكفيه إياها غيره فإذا رأى أنها قد تعينت عليه بذل اجتهاده في معرفة حكمها من الكتاب والسنة أو قول الخلفاء الراشدين ثم أفتى وقال عبد الله بن المبارك حدثنا سفيان عن عطاء بن السائب عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى قال ( أدركت عشرين ومائة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أراه قال في المسجد فما كان منهم محدث إلا ود أن أخاه كفاه الحديث ولا مفت إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا. )

وقال الإمام أحمد حدثنا جرير عن عطاء بن السائب عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى قال ( أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منهم رجل يسأل عن شيء إلا ود أن أخاه كفاه ولا يحدث حديثا إلا ود أن أخاه كفاه ).

وقال مالك عن يحيى بن سعيد أن بكير بن الأشج أخبره عن معاوية بن أبي عياش ( أنه كان جالسا عند عبد الله بن الزبير وعاصم بن عمر فجاءهما محمد بن إياس ابن البكير فقال إن رجلا من أهل البادية طلق امرأته ثلاثا فماذا تريان فقال عبد الله بن الزبير إن هذا الأمر ما لنا فيه قول فاذهب إلى عبد الله بن عباس وأبي هريرة فإني تركتهما عند عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ثم ائتنا فأخبرنا فذهبت فسألتهما فقال ابن عباس لأبي هريرة أفته يا أبا هريرة فقد جاءتك معضلة فقال أبو هريرة الواحدة تبينها والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجا غيره.
وقال مالك عن يحيى بن سعيد قال قال ابن عباس إن كل من أفتى الناس في كل ما يسألونه عنه لمجنون قال مالك وبلغني عن ابن مسعود مثل ذلك رواه ابن وضاح عن يوسف بن عدي بن عبد بن حميد عن الأعمش عن شقيق عن عبد الله ورواه حبيب بن أبي ثابت عن أبي وائل عن عبد الله.
)
وقال سحنون بن سعيد ( أجسر الناس على الفتيا أقلهم علما يكون عند الرجل الباب الواحد من العلم يظن أن الحق كله فيه.)

وقال أبو عمر بن عبد البر في كتاب جامع فضل العلم حدثنا خلف ابن القاسم ثنا يحيى بن الربيع ثنا محمد بن حماد المصيصي ثنا إبراهيم بن واقد ثنا المطلب بن زياد قال حدثني جعفر بن حسين إمامنا قال( رأيت أبا حنيفة في النوم فقلت ما فعل الله بك يا أبا حنيفة قال غفر لي فقلت له بالعلم فقال ما أضر الفتيا على أهلها فقلت فبم قال بقول الناس في ما لم يعلم الله أنه مني. )

( قال أبو عمر وقال سحنون يوما إنا لله ما أشقى المفتي والحاكم ثم قال هانذا يتعلم مني ما تضرب به الرقاب وتوطأ به الفروج وتؤخذ به الحقوق أما كنت عن هذا غنيا.)

( الجرأة على الفتيا)

( جرأة على الفتيا تكون من قلة العلم ومن غزارته وسعته فإذا قل علمه أفتى عن كل ما يسأل عنه بغير علم)وإذا اتسع علمه اتسعت فتياه ولهذا كان ابن عباس من أوسع الصحابة فتيا وقد تقدم أن فتاواه جمعت في عشرين سفرا وكان سعيد بن المسيب أيضا واسع الفتيا وكانوا يسمونه كما ذكر ابن وهب عن محمد بن سليمان المرادي عن أبي إسحاق قال كنت أرى الرجل في ذلك الزمان وإنه ليدخل يسأل عن الشيء فيدفعه الناس عن مجلس إلى مجلس حتى يدفع إلى مجلس سعيد بن المسيب كراهية للفتيا قال وكانوا يدعونه سعيد ابن المسيب الجريء.

وقال سحنون (إني لأحفظ مسائل منها ما فيه ثمانية أقوال من ثمانية أئمة من العلماء فكيف ينبغي أن أعجل بالجواب قبل الخبر فلم ألام على حبس الجواب.)

قال ابن هانىء ( سألت أبا عبد الله عن الذي جاء في الحديث أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار قال أبو عبد الله رحمه الله يفتي بما لم يسمع قال وسألته عمن أفتى بفتيا يعي فيها قال فإثمها على من أفتاها قلت على أي وجه يفتي حتى يعلم ما فيها قال يفتي بالبحث لا يدري أيش أصلها . )
وقال أبو داود في مسائله ( وقال عبد الله بن أحمد في مسائله سمعت أبي يقول وقال عبد الرحمن ابن مهدي سأل رجل من أهل الغرب مالك بن أنس عن مسألة فقال لا أدري فقال يا أبا عبد الله تقول لا أدري قال نعم فأبلغ من وراءك أني لا أدري ) .

وقال عبد الله( كنت أسمع أبي كثيرا يسأل عن المسائل فيقول لا أدري ويقف إذا كانت مسألة فيها اختلاف وكثيرا ما كان يقول سل غيري فإن قيل له من نسأل قال سلوا العلماء ولا يكاد يسمي رجلا بعينه قال وسمعت أبي يقول كان ابن عيينة لا يفتي في الطلاق ويقول من يحسن هذا.)

( وكان يسوغ استفتاء فقهاء الحديث وأصحاب مالك ويدل عليهم ويمنع من استفتاء من يعرض عن الحديث ولا يبني مذهبه عليه ولا يسوغ العمل بفتواه)


( فصل في كلام الأئمة في أدوات الفتيا وشروطها ومن ينبغي له أن يفتي وان يسع قول المفتي: " لا أدري".)

وقال ابن وهب حدثنا أشهل بن حاتم عن عبد الله بن عون عن ابن سيرين قال قال حذيفة إنما يفتي الناس أحد ثلاثة من يعلم ما نسخ من القرآن أو أمير لا يجد بدا أو أحمق متكلف قال فربما قال ابن سيرين فلست بواحد من هذين ولا أحب أن أكون الثالث.
قال الإمام أحمد في رواية ابنه صالح عنه ينبغي للرجل إذا حمل نفسه على الفتيا أن يكون عالما بوجوه القرآن عالما بالأسانيد الصحيحة عالما بالسنن وإنما جاء خلاف من خالف لقلة معرفتهم بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وقلة معرفتهم بصحيحها من سقيمها وقال في رواية ابنه عبد الله إذا كان عند الرجل الكتب المصنفة فيها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم واختلاف الصحابة و التابعين فلا يجوز أن يعمل بما شاء ويتخير فيقضي به ويعمل به حتى يسأل أهل العلم ما يؤخذ به فيكون يعمل على أمر صحيح. قال في رواية أبي الحارث لا يجوز الإفتاء إلا لرجل عالم بالكتاب والسنة.
وقال في رواية حنبل ينبغي لمن أفتى أن يكون عالما بقول من تقدم وإلا فلا يفتي. وقال محمد بن عبد الله بن المنادي سمعت رجلا يسأل أحمد إذا حفظ الرجل مائة ألف حديث يكون فقيها قال لا قال مائتي ألف قال لا قال فثلاثمائة ألف قال لا قال فأربعمائة ألف قال بيده هكذا وحرك يده . قال أبو الحسين وسألت جدي محمد بن عبيد الله قلت فكم كان يحفظ أحمد بن حنبل قال أخذ عن ستمائة ألف.
قال الشافعي فيما رواه عنه الخطيب في كتاب الفقيه والمتفقه له لا يحل لأحد أن يفتي في دين الله إلا رجلا عارفا بكتاب الله بناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه وتأويله وتنزيله ومكيه ومدنيه وما أريد به ويكون بعد ذلك بصيرا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وبالناسخ والمنسوخ ويعرف من الحديث مثل ما عرف من القرآن ويكون بصيرا باللغة بصيرا بالشعر وما يحتاج إليه للسنة والقرآن ويستعمل هذا مع الإنصاف ويكون بعد هذا مشرفا على اختلاف أهل الأمصار وتكون له قريحة بعد هذا فإذا كان هكذا فله أن يتكلم ويفتي في الحلال والحرام وإذا لم يكن هكذا فليس له أن يفتي.
وقال صالح بن أحمد قلت لأبي ما تقول في الرجل يسأل عن الشيء فيجيب بما في الحديث وليس بعالم في الفقه فقال ينبغي للرجل إذا حمل نفسه على الفتيا أن يكون عالما بالسنن عالما بوجوه القرآن عالما بالأسانيد الصحيحة وذكر الكلام المتقدم وقال علي بن شقيق قيل لابن المبارك متى يفتي الرجل قال إذا كان عالما بالأثر بصيرا بالرأي.
وقيل ليحيى بن أكثم متى يجب للرجل أن يفتي فقال إذا كان بصيرا بالرأي بصيرا بالأثر.
قلت يريدان بالرأي القياس الصحيح والمعاني والعلل الصحيحة التي علق الشارع بها الأحكام وجعلها مؤثرة فيها طردا وعكسا.


( النهي عن التقدم بين يدي الله ورسوله)

وقال تعالى ** يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم** أي لا تقولوا حتى يقول ولا تأمروا حتى يأمر ولا تفتوا حتى يفتي ولا تقطعوا أمرا حتى يكون هو الذي يحكم فيه ويمضيه روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما "لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة" وروى العوفي عنه "قال نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه".

والقول الجامع في معنى الآية لا تعجلوا بقول ولا فعل قبل أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يفعل.
وقال تعالى ** يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون**. ( فإذا كان رفع أصواتهم فوق صوته سببا لحبوط أعمالهم فكيف تقديم آرائهم وعقولهم وأذواقهم وسياستهم ومعارفهم على ما جاء به ورفعها عليه أليس هذا أولى أن يكون محبطا لأعمالهم).

وقال تعالى: **إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه**، فإذا جعل من لوازم الإيمان أنهم لا يذهبون مذهبا إذا كانوا معه إلا باستئذانه فأولى أن يكون من لوازمه أن لا يذهبوا إلى قول ولا مذهب علمي إلا بعد استئذانه وإذنه يعرف بدلالة ما جاء به على أنه أذن فيه.

( انتزاع العلم بموت أصحابه)

وفي صحيح البخاري من حديث أبي الأسود عن عروة بن الزبير قال حج علينا عبد الله بن عمرو بن العاص فسمعته يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول [ إن الله لا ينزع العلم بعد إذا أعطاكموه انتزاعا ولكن ينزعه مع قبض العلماء بعلمهم فيبقي ناس جهال يستفتون فيفتون برأيهم فيضلون ويضلون .]


( فصل في تحريم الإفتاء في دين الله بالرأي المتضمن لمخالفة النصوص والرأي الذي لم تشهد له النصوص بالقبول)

قال الله: **فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين**، فقسم الأمر إلى أمرين لا ثالث لهما إما الاستجابة لله والرسول وما جاء به وإما اتباع الهوى فكل ما لم يأت به الرسول فهو من الهوى.

وقال تعالى: ** يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب**، فقسم سبحانه طريق الحكم بين الناس إلى الحق وهو الوحي الذي أنزله الله على رسوله وإلى الهوى وهو ما خالفه.

وقال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: **ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين**، فقسم الأمر بين الشريعة التي جعله هو سبحانه عليها وأوحى إليه العمل بها وأمر الأمة بها وبين إتباع أهواء الذين لا يعلمون فأمر بالأول ونهى عن الثاني.

وقال تعالى: ** اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون**، فأمر بإتباع المنزل منه خاصة واعلم أن من اتبع غيره فقد ابتع من دونه أولياء.

وقال تعالى: ** يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا**، فأمر تعالى بطاعته وطاعة رسوله وأعاد الفعل إعلاما بأن طاعة الرسول تجب استقلالا من غير عرض ما أمر به على الكتاب بل إذا أمر وجبت طاعته مطلقا سواء كان ما أمر به في الكتاب أو لم يكن فيه فإنه أوتي الكتاب ومثله معه ولم يأمر بطاعة أولي الأمر استقلالا بل حذف الفعل وجعل طاعتهم في ضمن طاعة الرسول إيذانا بأنهم إنما يطاعون تبعا لطاعة الرسول فمن أمر منهم بطاعة الرسول وجبت طاعته ومن أمر بخلاف ما جاء به الرسول فلا سمع له ولا طاعة كما صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" وقال: " إنما الطاعة في المعروف" وقال في ولاة الأمور: " من أمركم منهم بمعصية الله فلا سمع له ولا طاعة" وقد أخبر صلى الله عليه وسلم عن الذين أرادوا دخول النار لما أمرهم أميرهم بدخولها "إنهم لو دخلوا لما خرجوا منها" مع أنهم إنما كانوا يدخلونها طاعة لأميرهم وظنا أن ذلك واجب عليهم ولكن لما قصروا في الاجتهاد وبادروا إلى طاعة من أمر بمعصية الله وحملوا عموم الأمر بالطاعة بما لم يرده الآمر صلى الله عليه وسلم وما قد علم من دينه إرادة خلافه فقصروا في الاجتهاد وأقدموا على تعذيب أنفسهم وإهلاكها من غير تثبت وتبيّن، هل ذلك طاعة لله ورسوله أم لا؟ فما الظن بمن أطاع غيره في صريح مخالفة ما بعث الله به رسوله ثم أمر تعالى برد ما تنازع فيه المؤمنون إلى الله ورسوله إن كانوا مؤمنين وأخبرهم أن ذلك خير لهم في العاجل وأحسن تأويلا في العاقبة.



( فصل فيما روى عن صديق الأمة وأعلمها رضي الله عنه من إنكار الرأي)

روينا عن عبد بن حميد ثنا أبو أسامة عن نافع عن عمر الجمحي عن ابن أبي مليكة قال: قال أبو بكر رضي الله عنه: " أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إن قلت في آية من كتاب الله برأيي أو بما لا أعلم."

وذكر الحسن بن علي الحلواني حدثنا عارم عن حماد بن زيد عن سعيد بن أبي صدقة عن ابن سيرين قال: لم يكن أحد أهيب بما لا يعلم من أبي بكر رضي الله عنه ولم يكن أحد بعد أبي بكر أهيب بما لا يعلم من عمر رضي الله عنه، وإن أبا بكر نزلت به قضية فلم يجد في كتاب الله منها أصلا ولا في السنة أثرا فاجتهد برأيه ثم قال هذا رأيي فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني وأستغفر الله.


( فصل في المنقول من ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه)


قال ابن وهب ثنا يونس بن يزيد عن ابن شهاب أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال وهو على المنبر: " يا أيها الناس إن الرأي إنما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم مصيبا إن الله كان يريه وإنما هو منا الظن والتكلف".

قلت مراد عمر رضي الله عنه قوله تعالىك ** إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله**، فلم يكن له رأي غير ما أراه الله إياه وأما ما رأى غيره فظن وتكلف.

قال سفيان الثوري ثنا أبو إسحاق الشيباني عن أبي الضحى عن مسروق قال: " كتب كاتب لعمر بن الخطاب هذا ما رأى الله ورأى عمر فقال بئس ما قلت قل هذا ما رأى عمر فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمن عمر".

وقال ابن وهب أخبرني ابن لهيعة عن عبد الله بن أبي جعفر قال قال عمر ابن الخطاب رضي الله عنه: " السنة ما سنه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لا تجعلوا خطأ الرأي سنة للأمة".

قال ابن وهب وأخبرني ابن لهيعة عن أبي الزناد عن محمد بن إبراهيم التيمي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: " أصبح أهل الرأي أعداء السنن أعيتهم أن يعوها وتفلتت منهم أن يرووها فاستبقوها بالرأي".

قال ابن وهب وأخبرني عبد الله بن عباس عن محمد بن عجلان عن عبيد الله ابن عمر أن عمر بن الخطاب قال: " اتقوا الرأي في دينكم".

وذكر ابن عجلان عن صدقة بن أبي عبد الله أن عمر بن الخطاب كان يقول: " أصحاب الرأي أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها وتفلتت منهم أن يعوها واستحيوا حين سئلوا أن يقولوا لا نعلم فعارضوا السنن برأيهم فإياكم وإياهم".

وذكر ابن الهادي عن محمد بن إبراهيم التيمي قال قال عمر بن الخطاب: " إياكم والرأي فإن أصحاب الرأي أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يعوها وتفلتت منهم أن يحفظوها فقالوا في الدين برأيهم".

وقال الشعبي عن عمرو بن حرث قال قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: " إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا".

وأسانيد هذه الآثار عن عمر في غاية الصحة.

وقال محمد بن عبد السلام الخشني ثنا محمد بن بشار حدثنا يونس بن عبيد العمري ثنا مبارك بن فضالة عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن عمر ابن الخطاب أنه قال: " أيها الناس اتهموا الرأي في الدين فلقد رأيتني وأني لأرد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برأيي فأجتهد ولا آلو وذلك يوم أبي جندل والكاتب يكتب وقال اكتبوا بسم الله الرحمن الرحيم فقال يكتب باسمك اللهم فرضي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبيت فقال يا عمر تراني قد رضيت وتأبى".

وقال أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الأعلى عن محمد بن إسحاق عن يزيد ابن حبيب عن معمر بن أبي حبيبة مولى بنت صفوان عن عبيد بن رفاعة عن أبيه رفاعة بن رافع قال: " بينما أنا عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا دخل عليه رجل فقال يا أمير المؤمنين هذا زيد بن ثابت يفتي الناس في المسجد برأيه في الغسل من الجنابة فقال عمر علي به فجاء زيد فلما رآه عمر فقال عمر أي عدو نفسه قد بلغت أن تفتي الناس برأيك فقال يا أمير المؤمنين والله ما فعلت ولكن سمعت من أعمامي حديثا فحدثت به من أبي أيوب ومن أبي بن كعب ومن رفاعة بن رافع فقال عمر علي برفاعة بن رافع فقال قد كنتم تفعلون ذلك إذا أصاب أحدكم المرأة فأكسل أن يغتسل قال قد كنا نفعل ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأتنا فيه عن الله تحريم ولم يكن فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء فقال عمر ورسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم ذلك قال ما أدري فأمر عمر بجمع المهاجرين والأنصار فجمعوا فشاورهم فشار الناس أن لا غسل إلا ما كان من معاذ وعلي فإنهما قالا إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل فقال عمر هذا وأنتم أصحاب بدر قد اختلفتم فمن بعدكم أشد اختلافا فقال علي يا أمير المؤمنين إنه ليس أحد أعلم بهذا من شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أزواجه فأرسل إلى حفصة فقالت لا علم لي فأرسل إلى عائشة فقالت إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل فقال لا أسمع برجل فعل ذلك إلا أوجعته ضربا".

( قول ابن مسعود رضي الله عنه في ذم الرأي)

قال البخاري حدثنا جنيد ثنا يحيى بن زكريا عن مجالد عن الشعبي عن مسروق عن عبد الله قال: " لا يأتي عليكم عام إلا وهو شر من الذي قبله أما أني لا أقول أمير خير من أمير ولا عام أخصب من عام ولكن فقهاؤكم يذهبون ثم لا تجدون منهم خلفا ويجيء قوم يقيسون الأمور برأيهم".

وقال ابن وهب ثنا شقيق عن مجالد به قال: " ولكن ذهاب خياركم وعلمائكم ثم يحدث قوم يقيسون الأمور برأيهم فينهدم الإسلام ويثلم".

وقال أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو خالد الأحمر عن مجالد عن الشعبي عن مسروق قال: قال عبد الله بن مسعود: " علماؤكم يذهبون ويتخذ الناس رءوسا جهالا يقيسون الأمور برأيهم".

وقال سنيد بن داود حدثنا محمد بن فضل عن سالم بن أبي حفصة عن منذر الثوري عن الربيع بن خثيم أنه قال قال عبد الله ما علمك الله في كتابه فاحمد الله وما استأثر به عليك من علم فكله إلى عالمه ولا تتكلف فإن الله عز وجل يقول لنبيه: **قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين** يروى هذا عن الربيع بن خثيم وعن عبد الله.

وقال سعيد بن منصور حدثنا خلف بن خليفة ثنا أبو زيد عن الشعبي قال: قال ابن مسعود: " إياكم وأرأيت أرأيت فإنما هلك من كان من قبلكم بأرأيت أرأيت ولا تقيسوا شيئا فتزل قدما بعد ثبوتها وإذا سئل أحدكم عما لا يعلم فليقل لا أعلم فإنه ثلث العلم".

وصح عنه في المفوضة أنه قال أقول فيها برأيي فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله بريء منه.


( قول عثمان رضي الله عنه في ذم الرأي)

قال محمد بن إسحاق حدثني يحيى بن عباد عن عبيد الله بن الزبير قال أنا والله مع عثمان بن عفان بالجحفة إذ قال عثمان وذكر له التمتع بالعمرة إلى الحج: " أتموا الحج وأخلصوه في شهر الحج فلو أخرتم هذه العمرة حتى تزوروا هذا البيت زورتين كان أفضل فإن الله قد أوسع في الخير فقال له علي عمدت إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورخصة رخص الله للعباد بها في كتابه تضيق عليهم فيها وتنهى عنها وكانت لذي الحاجة ولنائي الدار، ثم أهل علي بعمرة وحج معا فأقبل عثمان بن عفان رضي الله عنه على الناس فقال أنهيت عنها؟ إني لم أنه عنها إنما كان رأيا أشرت به فمن شاء أخذه ومن شاء تركه" .
فهذا عثمان يخبر عن رأيه أنه ليس بلازم للأمة الأخذ به بل من شاء أخذ به ومن شاء تركه بخلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لا يسع أحدا تركها لقول أحد كائنا من كان.

( قول علي رضي الله عنه في ذم الرأي)

قال أبو داود حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء ثنا حفص بن غياث عن الأعمش عن أبي إسحاق السبيعي عن عبد خير عن علي رضي الله عنه أنه قال: " لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاها.

( قول ابن عباس رضي الله عنه في ذم الرأي)

قال ابن وهب أخبرني بشر بن بكر عن الأوزاعي عن عبدة بن أبي لبابة عن ابن عباس أنه قال: " من أحدث رأيا ليس في كتاب الله ولم تمض به سنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يدر على ما هو منه إذا لقي الله عز وجل".

وقال عثمان بن مسلم الصفار ثنا عبد الرحمن بن زياد حدثنا الحسن بن عمرو الفقيمي عن أبي فزارة قال قال ابن عباس: " إنما هو كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن قال بعد ذلك برأيه فلا أدري أفي حسناته يجد ذلك أم في سيئاته".

وقال عبد الرحمن بن حميد حدثنا حسين بن علي الجعفي عن زائدة عن ليث عن بكر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: " من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار".

( قول سهل ابن حنيف رضي الله عنه في ذم الرأي)

قال البخاري حدثنا موسى بن إسماعيل ثنا أبو عوانة عن الأعمش عن أبي وائل قال قال سهل بن حنيف: " أيها الناس اتهموا رأيكم على دينكم لقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لرددته".

( قول ابن عمر رضي الله عنهما في ذم الرأي)

قال ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث أن عمرو بن دينار قال أخبرني طاوس عن عبد الله بن عمر أنه كان إذا لم يجد في الأمر يسأل عنه شيئا قال: " إن شئتم أخبرتكم بالظن".

وقال البخاري قال لي صدقة عن الفضل بن موسى عن موسى بن عقبة عن الضحاك عن جابر بن زيد قال لقيني ابن عمر فقال: " يا جابر إنك من فقهاء البصرة وتستفتي فلا تفتين إلا بكتاب ناطق أو سنة ماضية".

وقال مالك عن نافع عنه: " العلم ثلاث كتاب الله الناطق وسنة ماضيه ولا أدري".

( قول زيد بن ثابت رضي الله عنه في ذم الرأي)

قال البخاري حدثنا سنيد بن داود ثنا يحيى بن زكريا مولى ابن أبي زائدة عن إسماعيل بن خالد عن الشعبي قال أتى زيد بن ثابت قوم فسألوه عن أشياء فأخبرهم بها فكتبوها ثم قالوا لو أخبرناه فأتوه فأخبروه فقال: " اعذرا لعل كل شيء حدثتكم خطأ إنما اجتهدت لكم برأيي" .

( قول معاذ رضي الله عنه في ذم الرأي)

قال حماد بن سلمة ثنا أيوب السختياني عن أبي قلابة عن يزيد بن أبي عميرة عن معاذ بن جبل قال: " تكون فتن فيكثر فيها المال ويفتح القرآن حتى يقرأه الرجل والمرأة والصغير والكبير والمنافق والمؤمن فيقرأه الرجل فلا يتبع فيقول والله لأقرأنه علانية فيقرأه علانية فلا يتبع فيتخذ مسجدا ويبتدع كلاما ليس من كتاب الله ولا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإياكم وإياه فإنه بدعة وضلالة قاله معاذ ثلاث مرات".

( قول أبي موسى الاشعري رضي الله عنه في ذم الرأي)

قال البغوي ثنا الحجاج بن المنهال ثنا حماد بن سلمة عن حميد عن أبي رجاء العطاردي قال: قال أبو موسى الأشعري: " من كان عنده علم فليعلمه الناس وإن لم يعلم فلا يقولن ما ليس له به علم فيكون من المتكلفين ويمرق من الدين".

( قول معاوية رضي الله عنه في ذم الرأي)

قال البخاري حدثنا أبو اليمان ثنا شعيب عن الزهري قال كان محمد بن جبير بن مطعم يحدث أنه كان عند معاوية في وفد من قريش فقام معاوية فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: " أما بعد فإنه قد بلغني أن رجالا فيكم يتحدثون بأحاديث ليست في كتاب الله ولا تؤثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأولئكم جهالكم".

( فهؤلاء من الصحابة أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي ابن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وزيد ابن ثابت وسهل بن حنيف ومعاذ بن جبل ومعاوية خال المؤمنين وأبو موسى الأشعري رضي الله عنهم يخرجون الرأي عن العلم ويذمونه ويحذرون منه وينهون عن الفتيا به ومن اضطر منهم إليه أخبر أنه ظن وأنه ليس على ثقة منه وأنه يجوز أن يكون منه ومن الشيطان وأن الله ورسوله بريء منه وأن غايته أن يسوغ الأخذ به عند الضرورة من غير لزوم لاتباعه ولا العمل به فهل تجد من أحد منهم قط أنه جعل رأي رجل بعينه دينا تترك له السنن الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويبدع ويضلل من خالفه إلى اتباع السنن. فهؤلاء برك الإسلام وعصابة الإيمان وأئمة الهدى ومصابيح الدجى وأنصح الأئمة للأمة وأعلمهم بالأحكام وأدلتها وأفقههم في دين الله وأعمقهم علما وأقلهم تكلفا وعليهم دارت الفتيا وعنهم انتشر العلم وأصحابهم هم فقهاء الأمة ومنهم من كان مقيما بالكوفة كعلي وابن مسعود وبالمدينة كعمر ابن الخطاب وابنه وزيد بن ثابت وبالبصرة كأبي موسى الأشعري وبالشام كمعاذ بن جبل ومعاوية بن أبي سفيان وبمكة كعبد الله بن عباس وبمصر كعبد الله بن عمرو بن العاص وعن هذه الأمصار انتشر العلم في الآفاق واكثر من روى عنه التحذير من الرأي من كان بالكوفة إرهاصا بين يدي ما علم الله سبحانه أنه يحدث فيها بعدهم.)


( معنى الرأي)

الرأي في الأصل مصدر رأي الشيء يراه رأيا ثم غلب استعماله على المرئي نفسه من باب استعمال المصدر في المفعول كالهوى في الأصل مصدر هويه يهواه هوى ثم استعمل في الشيء الذي يهوى فيقال هذا هوى فلان والعرب تفرق بين مصادر فعل الرؤية بحسب محالها فتقول رأى كذا في النوم رؤيا ورآه في اليقظة رؤية ورأى كذا لما يعلم بالقلب ولا يرى بالعين رأيا ولكنهم خصوه بما يراه القلب بعد فكر وتأمل وطلب لمعرفة وجه الصواب مما تتعارض فيه الإمارات فلا يقال لمن رأى بقلبه أمرا غائبا عنه مما يحس به أنه رأيه ولا يقال أيضا للأمر المعقول الذي لا تختلف فيه العقول ولا تتعارض فيه الأمارات إنه رأى وإن احتاج إلى فكر وتأمل كدقائق الحساب ونحوها .


(أقسام الرأي)


وإذا عرف هذا فالرأي ثلاثة أقسام رأي باطل بلا ريب ورأي صحيح ورأي هو موضع الاشتباه والأقسام الثلاثة قد أشار إليها السلف فاستعملوا الرأي الصحيح وعملوا به وأفتوا به وسوغوا القول به وذموا الباطل ومنعوا من العمل والفتيا والقضاء به وأطلقوا ألسنتهم بذمه وذم أهله.

والقسم الثالث: سوغوا العمل والفتيا والقضاء به عند الاضطرار إليه حيث لا يوجد منه بد ولم يلزموا أحد العمل به ولم يحرموا مخالفته ولا جعلوا مخالفه مخالفا للدين بل غايته أنهم خيروا بين قبوله ورده فهو بمنزلة ما أبيح للمضطر من الطعام والشراب الذي يحرم عند عدم الضرورة إليه كما قال الإمام أحمد سألت الشافعي عن القياس فقال لي عند الضرورة وكان استعمالهم لهذا النوع بقدر االضرورة لم يفرطوا فيه ويفرعوه ويولدوه ويوسعوه كما صنع المتأخرون بحيث اعتاضوا به عن النصوص والآثار وكان أسهل عليهم من حفظها كما يوجد كثير من الناس يضبط قواعد الإفتاء لصعوبة النقل عليه وتعسر حفظه فلم يتعدوا فى استعماله قدر الضرورة ولم يبغوا العدول إليه مع تمكنهم من النصوص والآثار كما قال تعالى في المضطر إلى الطعام المحرم ** فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم**، فالباغي الذي يبتغي الميتة مع قدرته على التوصل إلى المذكى والعادي الذي يتعدى قدر الحاجة بأكلها.

( فصل في أنواع الرأي الباطل)

والرأي الباطل أنواع:

أحدها: الراى المخالف للنص وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام فساده وبطلانه ولا تحل الفتيا به ولا القضاء( وإن وقع فيه من وقع بنوع تأويل وتقليد)

( النوع الثاني: هو الكلام في الدين بالخرص والظن مع التفريط والتقصير في معرفة النصوص وفهمها واستنباط الأحكام منها فإن من جهلها وقاس برأيه فيما سئل عنه بغير علم بل لمجرد قدر جامع بين الشيئين ألحق أحدهما بالآخر أو لمجرد قدر فارق يراه بينهما يفرق بينهما في الحكم من غير نظر إلى النصوص والآثار فقد وقع في الرأي المذموم الباطل)

النوع الثالث: الرأي المتضمن تعطيل أسماء الرب وصفاته وأفعاله بالمقاييس الباطلة التي وضعها أهل البدع والضلال من الجهمية والمعتزلة والقدرية ومن ضاهاهم حيث استعمل أهله قياساتهم الفاسدة وآراءهم الباطلة وشبههم الداحضة في رد النصوص الصحيحة الصريحة فردوا لأجلها ألفاظ النصوص التي وجدوا السبيل إلى تكذيب رواتها وتخطئتهم ومعاني النصوص التي لم يجدوا إلى رد ألفاظها سبيلا فقابلوا النوع الأول بالتكذيب والنوع الثاني بالتحريف والتأويل فأنكروا لذلك رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة وأنكروا كلامه وتكليمه لعباده وأنكروا مباينته للعالم واستواءه على عرشه وعلوه على المخلوقات وعموم قدرته على كل شيء بل أخرجوا أفعال عباده من الملائكة والأنبياء والجن الإنس عن تعلق قدرته ومشيئته وتكوينه لها ونفوا لأجلها حقائق ما أخبر به عن نفسه واخبر به رسوله من صفات كماله ونعوت جلاله وحرفوا لأجلها النصوص عن مواضعها وأخرجوها عن معانيها وحقائقها بالرأي المجرد الذي حقيقته أنه زبالة الأذهان ونخالة الأفكار وعفارة الآراء ووساوس الصدور فملأوا به الأوراق سوادا والقلوب شكوكا والعالم فسادا.

( نشأة الفساد من تقديم الرأي والهوى على الوحي)

وكل من له مسكة من عقل يعلم أن فساد العالم وخرابه إنما نشأ من تقديم الرأي على الوحي والهوى على العقل وما استحكم هذان الأصلان الفاسدان في قلب إلا استحكم هلاكه وفي أمة إلا فسد أمرها أتم فساد فلا إله إلا الله كم نفي بهذه الآراء من حق وأثبت بها من باطل وأميت بها من هدى وأحي بها من ضلالة وكم هدم بها من معقل الإيمان وعمر بها من دين الشيطان وأكثر أصحاب الجحيم هم أهل هذه الآراء الذين لا سمع لهم ولا عقل بل هم شر من الحمر وهم الذين يقولون يوم القيامة، ** لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير**.

النوع الرابع: الرأي الذي أحدثت به البدع وغيرت به السنن وعم به البلاء وتربى عليه الصغير وهرم فيه الكبير.

فهذه الأنواع الأربعة من الرأي الذي اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمه وإخراجه من الدين.

النوع الخامس: ما ذكره أبو عمر بن عبد البر عن جمهور أهل العلم أن الرأي المذموم في هذه الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه والتابعين رضي الله عنهم أنه القول في أحكام شرائع الدين بالاستحسان والظنون والاشتغال بحفظ المعضلات والأغلوطات ورد الفروع بعضها على بعض قياسا دون ردها على أصولها والنظر في عللها واعتبارها فاستعمل فيها الرأي قبل أن ينزل وفرعت وشققت قبل أن تقع وتكلم فيها قبل أن تكون بالرأي المضارع للظن قالوا وفي الاشتغال بهذا والاستغراق فيه تعطيل السنن والبعث على جهلها وترك الوقوف على ما يلزم الوقوف عليه منها ومن كتاب الله عز وجل ومعانيه احتجوا على ما ذهبوا إليه بأشياء.


( لعن من يسال عما لم يكن )

ثم ذكر من طريق أسد بن موسى ثنا شريك عن ليث عن طاوس عن ابن عمر قال لا تسألوا عما لم يكن فإني سمعت عمر يلعن من يسأل عما لم يكن ثم ذكر من طريق أبي داود ثنا إبراهيم بن موسى الرازي ثنا عيسى بن يونس عن الأوزاعي عن عبد الله بن سعد عن الصنابحي عن معاوية أن النبي صلى الله عليه وسلم ( نهى عن الأغلوطات ).

وقال أبو بكر بن أبي شيبة ثنا عيسى بن يونس عن الأوزاعي بإسناده مثله وقال فسره الأوزاعي يعني صعاب المسائل وقال الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن عبد الله بن سعد عن عبادة بن قيس الصنابحي عن معاوية بن أبي سفيان أنهم ذكروا المسائل عنده فقال أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( نهى عن عضل المسائل ).

وقال أبو عمر واحتجوا أيضا بحديث سهل وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كره المسائل وعابها وبأنه صلى الله عليه وسلم قال ( إن الله يكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال ).

وقال ابن أبي خيثمة ثنا أبي ثنا عبد الرحمن بن مهدي ثنا مالك عن الزهري عن سهل بن سعد قال لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل وعابها ).

قال أبو بكر: هكذا ذكره أحمد بن زهير بهذا الإسناد وهو خلاف لفظ الموطأ.

قال أبو عمر وفي سماع أشهب سئل مالك عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهاكم عن قيل وقال وكثرة السؤال فقال أما كثرة السؤال فلا أدري أهو ما أنتم فيه مما أنهاكم عنه من كثرة السؤال فقد كره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل وعابها وقال الله عز وجل، **لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم**، فلا أدري أهو هذا أم السؤال في مسألة الناس في الاستعطاء.

وقال الأوزاعي عن عبدة بن أبي لبابة وددت أن حظي من أهل هذا الزمان أن لا أسألهم عن شيء ولا يسألوني يتكاثرون بالمسائل كما يتكاثر أهل الدراهم بالدراهم.

قال واحتجوا أيضا بما رواه ابن شهاب عن عامر بن سعد بن أبي وقاص أنه سمع أباه يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم على المسلمين فحرم عليهم من أجل مسألته".

وروى ابن وهب أيضا قال حدثني ابن لهيعة عن الأعرج عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بشيء فخذوا منه ما استطعتم"، وقال سفيان بن عيينة عن عمرو عن طاوس قال قال عمر بن الخطاب وهو على المنبر: " أحرج بالله على كل امرىء سأل عن شيء لم يكن فإن الله قد بين ما هو كائن".

( سؤال الصحابة عما ينفع)

وقال أبو عمر وروى جرير بن عبد الحميد ومحمد بن فضيل عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال( ما رأيت قوما خيرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض صلى الله عليه وسلم كلهن في القرآن يسألونك عن المحيض يسألونك عن الشهر الحرام يسألونك عن اليتامى ما كانوا يسألونه إلا عما ينفعهم).

قال أبو عمر: ليس في الحديث من الثلاث عشرة مسألة إلا ثلاث.

قلت ومراد ابن عباس بقوله ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة المسائل التي حكاها الله في القرآن عنهم وإلا فالمسائل التي سألوه عنها وبين لهم أحكامه بالسنة لا تكاد تحصى ولكن إنما كانوا يسألونه عما ينفعهم من الواقعات ولم يكونوا يسألونه عن المقدرات والأغلوطات وعضل المسائل ولم يكونوا يشتغلون بتفريع المسائل وتوليدها بل كانت هممهم مقصورة على تنفيذ ما أمرهم به فإذا وقع بهم أمر سألوا عنه فأجابهم.

( الاشياء التي نهي عن السؤال عنها)

وقد قال تعالى: **يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين**، وقد اختلف في هذه الأشياء المسئول عنها هل هي أحكام قدرية أو أحكام شرعية على قولين فقيل إنها أحكام شرعية عفا الله عنها أي سكت عن تحريمها فيكون سؤالهم عنها سبب تحريمها ولو لم يسألوا لكانت عفوا ومنه قوله صلى الله عليه وسلم وقد سئل عن الحج أفي كل عام فقال لو قلت نعم وجبت ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم ويدل على هذا التأويل حديث أبي ثعلبة المذكور إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما الحديث ومنه الحديث الآخر إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدودا فلا تعتدوها وحرم أشياء فلا تنتهكوها وسكت عن أشياء رحمة لكم من غير نسيان فلا تبحثوا عنها وفسرت بسؤالهم عن أشياء من الأحكام القدرية كقول عبد الله بن حذافة من أبي يا رسول الله وقول آخر أين أبي يا رسول الله قال في النار.

( توضيح معنى آية النهي عن السؤال)

والتحقيق أن الآية تعم النهي عن النوعين وعلى هذا فقوله تعالى: ** إن تبد لكم تسؤكم**، أما في أحكام الخلق والقدر فإنه يسؤهم أن يبدو لهم ما يكرهونه مما سألوا عنه وأما في أحكام التكليف فإنه يسؤهم أن يبدو لهم ما يشق عليهم تكليفه مما سألوا عنه.

وقوله تعالى: ** وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم**، فيه قولان أحدهما أن القرآن إذا نزل بها ابتداء بغير سؤال فسألتم عن تفصيلها وعلمها أبدى لكم وبين لكم والمراد بحين النزول زمنه المتصل به لا الوقت المقارن للنزول وكأن في هذا إذنا لهم في السؤال عن تفصيل المنزل ومعرفته بعد إنزاله ففيه رفع لتوهم المنع من السؤال عن الأشياء مطلقا.

والقول الثاني أنه من باب التهديد والتحذير أي ما سألتم عنها في وقت نزول الوحي جاءكم بيان ما سألتم عنه بما يسؤكم والمعنى لا تتعروا للسؤال عما يسوءكم بيانه وإن تعرضتم له في زمن الوحي أبدي لكم.

وقوله: **عفا الله عنها**، أي عن بيانها خبرا وأمرا بل طوى بيانها عنكم رحمة ومغفرة وحلما والله غفور حليم فعلى القول الأول عفا الله عن التكليف بها توسعة عليكم وعلى القول الثاني عفا الله عن بيانها لئلا يسؤكم بيانها

وقوله: ** قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين**، أراد نوع تلك المسائل لا أعيانها أي قد تعرض قوم من قبلكم لأمثال هذه المسائل فلما بينت لهم كفروا بها فاحذروا مشابهتهم والتعرض لما تعرضوا له.

( ولم ينقطع حكم هذه الآية بل لا ينبغي للعبد أن يتعرض للسؤال عما إن بدا له ساءه يستعفي ما أمكنه ويأخذ بعفو الله ومن ههنا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه يا صاحب الميزاب لا تخبرنا لما سأله رفيقه عن مائه أطاهرام لا؟ وكذلك لا ينبغي للعبد أن يسأل ربه أن يبدي له من أحواله وعاقبته ما طواه عنه وستره فلعله يسوءه إن أبدي له فالسؤال عن جميع ذلك تعرض لما يكرهه الله فإنه سبحانه يكره إبداءها ولذلك سكت عنها والله أعلم.)


( فصل كلام التابعين في الرأي)

قالوا ومن تدبر الآثار المروية في ذم الرأي وجدها لا تخرج عن هذه الأنواع المذمومة ونحن نذكر آثار التابعين ومن بعدهم بذلك ليتبين مرادهم.

قال الخشني ثنا محمد بن بشار ثنا يحيى بن سعيد القطان عن مجالد عن الشعبي قال( لعن الله أرأيت).
قال يحيى بن سعيد وثنا صالح بن مسلم قال سألت الشعبي عن مسألة من النكاح فقال( إن أخبرتك برأيي فبل عليه). قالوا فهذا قول الشعبي في رأيه وهو من كبار التابعين وقد لقي مائة وعشرين من الصحابة وأخذ عن جمهورهم.

وقال الطحاوي ثنا سليمان بن شعيب ثنا عبد الرحمن بن خالد ثنا مالك بن مغول عن الشعبي قال (ما جاءكم به هؤلاء من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فخذوه وما كان رأيهم فاطرحوه في الحش).

وقال البخاري حدثنا سنيد بن داود ثنا حماد بن زيد عن زيد عن عمرو بن دينار قال قيل لجابر بن زيد (إنهم يكتبون ما يسمعون منك قال إنا لله وإنا إليه راجعون يكتبونه وأنا أرجع عنه غدا).

قال إسحاق بن راهويه قال سفيان بن عيينة( اجتهاد الرأي هو مشاورة أهل العلم لا أن يقول هو برأيه).

وقال ابن أبي خيثمة ثن الحوطي ثنا إسماعيل بن عياش عن سوادة بن زياد وعمرو بن المهاجر عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى الناس إنه لا رأي لأحد مع سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال أبو بصيرة سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن يقول للحسن البصري بلغني أنك تفتي برأيك فلا تفت برأيك إلا أن يكون سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال البخاري حدثني محمد بن محبوب ثنا عبد الواحد ثنا ابن الزبرقان بن عبد الله الأسيدي أن أبا وائل شفيق ابن سلمة قال إياك ومجالسة من يقول أرأيت أرأيت.

وقال أبان بن عيسى بن دينار عن أبيه عن ابن القاسم عن مالك عن ابن شهاب قال دعوا السنة تمضي لا تعرضوا لها بالرأي.
وقال يونس عن أبي الأسود وهو محمد بن عبد الرحمن بن نوفل سمعت عروة بن الزبير يقول ما زال أمر بني إسرائيل معتدلا حتى نشأ فيهم المولدون أبناء سبايا الأمم فأخذوا فيهم بالرأي فأضلوهم.
وذكر ابن وهب عن ابن شهاب أنه قال وهو يذكر ما وقع فيه الناس من هذا الرأي وتركهم السنن فقال إن اليهود والنصارى إنما انسلخوا من العلم الذى بأيديهم حين اتبعوا الرآى وأخذوا فيه.
وقال ابن وهب حدثني ابن لهيعة أن رجلا سأل سالم بن عبد الله بن عمر عن شيء فقال لم أسمع في هذا شيئا فقال له الرجل فأخبرني أصلحك الله برأيك فقال لا ثم أعاد عليه فقال إني أرضى برأيك فقال سالم إني لعلي إن أخبرتك برأيي ثم تذهب فأرى بعد ذلك رأيا غيره فلا أجدك.

وقال البخاري حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي ثنا مالك بن أنس قال كان ربيعة يقول لابن شهاب إن حالي ليس يشبه حالك أنا أقول برأيي من شاء أخذه وعمل به ومن شاء تركه.

وقال الفريابي ثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي قال سمعت عبد الرحمن ابن مهدي يقول سمعت حماد بن زيد يقول قيل لأيوب السختياني مالك لا تنظر في الرأي فقال أيوب قيل للحمار مالك لا تجتر قال أكره مضغ الباطل.
وقال الفريابي ثنا العباس بن الوليد بن مزيد أخبرني أبي قال سمعت الأوزاعي يقول عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوا لك القول.

وقال أبو زرعة ثنا أبو مسهر قال كان سعيد بن عبد العزيز إذا سئل لا يجيب حتى يقول لا حول ولا قوة إلا بالله هذا الرأي والرأي يخطىء ويصيب .
وقد روى أبو يوسف والحسن بن زياد كلاهما عن أبي حنيفة أنه قال علمنا هذا رأي وهو أحسن ما قدرنا عليه ومن جاءنا بأحسن منه قبلناه منه.
وقال الطحاوي ثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ثنا أشهب بن عبد العزيز قال كنت عند مالك فسئل عن البتة فأخذت ألواحي لأكتب ما قال فقال لي مالك لا تفعل فعسى في العشي أقول إنها واحدة.
وقال معن بن عيسى القزاز سمعت مالكا يقول إنما أنا بشر أخطىء وأصيب فانظروا في قولي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به وما لم يوافق االكتاب والسنة فاتركوه.

فرضي الله عن أئمة الإسلام وجزاهم عن نصيحتهم خيرا ولقد امتثل وصيتهم وسلك سبيلهم أهل العلم والدين من أتباعهم.

( المتعصبون يعكسون القضية)

وأما المتعصبون فإنهم عكسوا القضية ونظروا في السنة فما وافق أقوالهم منها قبلوه وما خالفها تحيلوا في رده أو رد دلالته وإذا جاء نظير ذلك أو أضعف منه سندا ودلالة وكان يوافق قولهم قبلوه ولم يستجيزوا رده واعترضوا به على منازعيهم وأشاحوا وقرروا الاحتجاج بذلك السند ودلالته فإذا جاء ذلك السند بعينه أو أقوى منه ودلالته كدلالة ذلك أو أقوى منه في خلاف قولهم دفعوه ولم يقبلوه وسنذكر من هذا إن شاء الله طرفا عند ذكر غائلة التقليد وفساده والفرق بينه وبين الاتباع.

وقال بقي بن مخلد ثنا سحنون والحارث بن مسكين عن بن القاسم عن مالك أنه كان يكثر أن يقول[ إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين].

وقال القعنبي دخلت على مالك بن أنس في مرضه الذي مات فيه فسلمت عليه ثم جلست فرأيته يبكي فقلت له يا أبا عبد الله ما الذي يبكيك فقال لي يا ابن قعنب وما لي لا أبكي ومن أحق بالبكاء مني والله لوددت أني ضربت بكل مسألة أفتيت فيها بالرأي سوطا وقد كانت لي السعة فيما قد سبقت إليه وليتني لم أفت بالرأي.

وقال ابن أبي داود ثنا أحمد بن سنان قال سمعت الشافعي يقول مثل الذي ينظر في الرأي ثم يتوب منه مثل المجنون الذي عولج حتى برأ فأعقل ما يكون قد هاج به .

وقال ابن أبي داود حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال سمعت أبي يقول لا تكاد ترى أحدا نظر في الرأي إلا وفي قلبه دغل.
وقال عبد الله بن أحمد أيضا سمعت أبي يقول الحديث الضعيف أحب إلي من الرأي فقال عبد الله سألت أبي عن الرجل يكون ببلد لا يجد فيه إلا صاحب حديث لا يعرف صحيحه من سقيمه وأصحاب الرأي فتنزل به النازلة فقال أبي يسأل أصحاب الحديث ولا يسأل أصحاب الرأي ضعيف الحديث أقوى من الرأي.


( أبو حنيفة يقدم الحديث)

وأصحاب أبي حنيفة رحمه الله مجمعون على أن مذهب أبي حنيفة أن ضعيف الحديث عنده أولى من القياس والرأي وعلى ذلك بنى مذهبه كما قدم حديث القهقهة مع ضعفه على القياس والرآى وقدم حديث الوضوء بنبيذ التمر في السفر مع ضعفه على الرأي والقياس ومنع قطع السارق بسرقة أقل من عشرة دراهم والحديث فيه ضعيف وجعل أكثر الحيض عشرة أيام والحديث فيه ضعيف وشرط في إقامة الجمعة المصر والحديث فيه كذلك وترك القياس المحض في مسائل الآبار لآثار فيها غير مرفوعة فتقديم الحديث الضعيف وآثار الصحابة على القياس والرأي قوله وقول الإمام أحمد وليس المراد بالحديث الضعيف في اصطلاح السلف هو الضعيف في اصطلاح المتأخرين بل ما يسميه المتأخرون حسنا قد يسميه المتقدمون ضعيفا كما تقدم بيانه.

والمقصود أن السلف جميعهم على ذم الرأي والقياس المخالف للكتاب والسنة وأنه لا يحل العمل به لا فتيا ولا قضاء وأن الرأي الذي لا يعلم مخالفته للكتاب والسنة ولا موافقته فغايته أن يسوغ العمل به عند الحاجة إليه من غير إلزام ولا إنكار على من خالفه .

قال أبو عمر بن عبد البر ثنا عبد الرحمن بن يحيى ثنا أحمد بن سعيد بن حزم ثنا عبد الله بن يحيى عن أبيه أنه كان يأتي ابن وهب فيقول له من أين فيقول له من عند ابن القاسم فيقول له ابن وهب اتق الله فإن أكثر هذه المسائل رأي.

وقال الحافظ أبو محمد ثنا عبد الرحمن بن سلمة ثنا أحمد بن خليل ثنا خالد ابن سعيد أخبرني محمد بن عمر بن كنانة ثنا أبان بن عيسى بن دينار قال كان أبي قد أجمع على ترك الفتيا بالرأي وأحب الفتيا بما روى من الحديث فأعجلته المنية عن ذلك.

وقال أبو عمر وروى الحسن بن واصل أنه قال إنما هلك من كان قبلكم حين تشعبت بهم السبل وحادوا عن الطريق وتركوا الآثار وقالوا في الدين برأيهم فضلوا وأضلوا.

قال أبو عمر وذكر نعيم بن حماد عن أبي معاوية عن الأعمش عن مسلم عن مسروق من يرغب برأيه عن أمر الله يضل.

وذكر بن وهب قال أخبرني بكر بن نصر عن رجل من قريش أنه سمع ابن شهاب يقول وهو يذكر ما وقع فيه الناس من هذا الرأي وتركهم السنن فقال إن اليهود والنصارى إنما انسخلوا من العلم الذي كان بأيديهم حين اشتقوا الرأي وأخذوا فيه.

وذكر ابن جرير في كتاب تهذيب الآثار له عن مالك قال قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تم هذا الأمر واستكمل فإنما ينبغي أن تتبع آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تتبع الرأي فإنه من اتبع الرأي جاء رجل آخر أقوى منه في الرأي فاتبعه فأنت كلما جاء رجل غلبك اتبعته.

وقال نعيم بن حماد ثنا ابن المبارك عن عبد الله بن وهب أن رجلا جاء إلى القاسم بن محمد فسأله عن شيء فأجابه فلما ولى الرجل دعاه فقال له لا تقل إن القاسم زعم أن هذا هو الحق ولكن إذا اضطررت إليه عملت به.

وقال أبو عمر قال ابن وهب قال لي مالك بن أنس وهو ينكر كثرة الجواب للمسائل يا أبا عبد الله ما علمته فقل به ودل عليه وما لم تعلم فاسكت وإياك أن تتقلد للناس قلادة سوء.

وقال أبو عمر وذكر محمد بن حارث بن أسد الخشني أنبأنا أبو عبد الله محمد ابن عباس النحاس قال سمعت أبا عثمان سعيد بن محمد الحداد يقول سمعت سحنون بن سعيد يقول ما أدري ما هذا الرأي سفكت به الدماء واستحلت به الفروج واستحقت به الحقوق غير أنا رأينا رجلا صالحا فقلدناه.

وقال سلمة بن شبيب سمعت أحمد يقول رأي الشافعي ورأي مالك ورأي أبي حنيفة كله عندي رأي وهو عندي سواء وإنما الحجة في الآثار.

وقال أبو عمر بن عبد البر أنشدني عبد الرحمن بن يحيى أنشدنا أبو علي الحسن بن الخضر الأسيوطي بمكة أنشدنا عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه:

دين النبي محمد أثار نعم المطية للفتى الأخبار
لا تخدعن عن الحديث وأهله فالرأي ليل والحديث نهار
ولربما جهل الفتى طرق الهدى والشمس طالعة لها أنوار.

ولبعض أهل العلم

العلم قال الله قال رسولهقال الصحابة ليس خلف فيه
ما العلم نصبك للخلاف سفاهةبين النصوص وبين رأي سفيه
كلا ولا نصب الخلاف جهالةبين الرسول وبين رأي فقيه
كلا ولا رد النصوص تعمداحذرا من التجسيم والتشبيه


( فصل في أنواع الرأي المحمود)


النوع الأول رأي أفقه الأمة وأبر الأمة قلوبا وأعمقهم وأقلهم تكلفا وأصحهم قصودا وأكملهم فطرة وأتمهم إدراكا وأصفاهم أذهانا الذين شاهدوا التنزيل وعرفوا التأويل فهموا مقاصد الرسول فنسبة آرائهم وعلومهم وقصودهم إلى ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم كنسبتهم إلى صحبته والفرق بينهم وبين من بعدهم في ذلك كالفرق بينهم وبينهم في الفضل فنسبه رأى من بعدهم إلى رأيهم كنسبة قدرهم إلى قدرهم.

قال الشافعي رحمه الله في رسالته البغدادية التي رواها عنه الحسن بن محمد الزعفراني وهذا لفظه وقد أثنى الله تبارك وتعالى على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن والتوراة والإنجيل وسبق لهم على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفضل ما ليس لأحد بعدهم فرحمهم الله وهنأهم بما أتاهم من ذلك ببلوغ أعلى منازل الصديقين والشهداء والصالحين أدوا إلينا سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم وشاهدوه والوحي ينزل عليه فعلموا ما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم عاما وخاصا وعزما وإرشادا وعرفوا من سنته ما عرفنا وجهلنا وهم فوقنا في كل علم واجتهاد وورع وعقل وأمر استدرك به علم واستنبط به وآراؤهم لنا أحمد وأولى بنا من رأينا عند أنفسنا ومن أدركنا ممن يرضى أو حكى لنا عنه ببلدنا صاروا فيما لم ليعلموا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيه سنة إلى قولهم إن اجتمعوا أو قول بعضهم إن تفرقوا وهكذا نقول ولم نخرج عن أقاويلهم وإن قال أحدهم ولم يخالفه غيره أخذنا بقوله ولما كان رأي الصحابة عند الشافعي بهذه المثابة قال في الجديد في كتاب الفرائض في ميراث الجد والإخوة وهذا مذهب تلقيناه عن زيد بن ثابت وعنه أخذنا أكثر الفرائض.

وقال والقياس عندي قتل الراهب لولا ما جاء عن أبي بكر رضي الله عنه فترك صريح القياس لقول الصديق وقال في رواية الربيع عنه والبدعة ما خالف كتابا أو سنة أو أثرا عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل ما خالف قول الصحابي بدعة وسيأتي إن شاء الله تعالى إشباع الكلام في هذه المسألة وذكر نصوص الشافعي عند ذكر تحريم الفتوى بخلاف ما أفتى به الصحابة ووجوب اتباعهم في فتاويهم وأن لا يخرج من جملة أقوالهم وأن الأئمة متفقون على ذلك.

( الصحابة أفضل الناس في الرأي)

والمقصود أن أحدا ممن بعدهم لا يساويهم في رأيهم وكيف يساويهم وقد كان أحدهم يرى الرأي فينزل القرآن بموافقته كما رأى عمر في أسارى بدر أن تضرب أعناقهم فنزل القرآن بموافقته ورأى أن تحجب نساء النبي صلى الله عليه وسلم فنزل القرآن بموافقته ورأى أن يتخذ من مقام إبراهيم مصلى فنزل القرآن بموافقته وقال لنساء النبي صلى الله عليه وسلم لما اجتمعن في الغيرة عليه **عسى ربه إن طلقكن أن يبد له أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات فنزل القرآن بموافقته**، ولما توفي عبد الله بن أبي قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه فقام عمر فأخذ بثوبه فقال يا رسول الله إنه منافق فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عليه ** ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره**.

وقد قال سعد بن معاذ لما حكمه النبي صلى الله عليه وسلم في بني قريظة: " إني أرى أن تقتل مقاتلتهم وتسبي ذرياتهم وتغنم أموالهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سموات"، ولما اختلفوا إلى ابن مسعود شهرا في المفوضة قال: " أقول فيها برأيي فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله بريء منه أرى أن لها مهر نسائها لا وكس ولا شطط ولها الميراث وعليها العدة فقام ناس من أشجع فقالوا نشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في امرأة منا يقال لها بروع بنت واشق مثل ما قضيت به فما فرح ابن مسعود بشىء بعد الإسلام فرحه بذلك".

(وحقيق بمن كانت آراؤهم بهذه المنزلة أن يكون رأيهم لنا خيرا من رأينا لأنفسنا وكيف لا وهو الرأي الصادر من قلوب ممتلئة نورا وإيمانا وحكمة وعلما ومعرفة وفهما عن الله ورسوله ونصيحة للأمة وقلوبهم على قلب نبيهم ولا وساطة بينهم وبينه وهم ينقلون العلم والإيمان من مشكاة النبوة غضا طريا لم يشبه إشكال ولم يشبه خلاف ولم تدنسه معارضة فقياس رأي غيرهم بآرائهم من أفسد القياس.)

( فصل النوع الثاني من أنواع الرأي المحمود)

النوع الثاني من الرأي المحمود الرأي الذي يفسر النصوص ويبين وجه الدلالة منها ويقررها ويوضح محاسنها ويسهل طريق الاستنباط منها كما قال عبدان سمعت عبد الله بن المبارك يقول ليكن الذي تعتمد عليه الأثر وخذ من الرأي ما يفسر لك الحديث".

وهذا هو الفهم الذي يختص الله سبحانه به من يشاء من عباده.

ومثال هذا رأي الصحابة رضي الله عنهم في العول في الفرائض عند تزاحم الفروض ورأيهم في مسألة زوج وأبوين وامرأة وأبوين أن للأم ثلث ما بقي بعد فرض الزوجين ورأيهم في توريث المبتوتة في مرض الموت ورأيهم في مسألة جر الولاء ورأيه في المحرم يقع على أهله بفساد حجه ووجوب المضي فيه والقضاء والهدى من قابل ورأيهم في الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما أفطرتا وقضتا وأطعمتا لكل يوم مسكينا ورأيهم في الحائض تطهر قبل طلوع الفجر تصلي المغرب والعشاء وإن طهرت قبل الغروب صلت الظهر والعصر ورأيهم في الكلالة وغير ذلك.

قال الإمام أحمد ثنا يزيد بن هارون أنا عاصم الأحول عن الشعبي قال سئل أبو بكر عن الكلالة فقال: "اني ساقول فيها برأيي فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان أراه ما خلا الوالد والولد"، فإن قيل كيف يجتمع هذا مع ما صح عنه من قوله أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إن قلت في كتاب الله برأيي وكيف يجامع هذا الحديث الذي تقدم من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار.


فالجواب أن الرأي نوعان:

أحدهما: راي مجرد لا دليل عليه بل هو خرص وتخمين فهذا الذي أعاذ الله الصديق والصحابة منه.

والثاني: رأي مستند إلى استدلال واستنباط من النص وحده أو من نص آخر معه فهذا من ألطف فهم النصوص وأدقه ومنه رأيه في الكلالة أنها ما عدا الوالد والولد فإن الله سبحانه ذكر الكلالة في موضعين من القرآن ففي أحد الموضعين ورث معها الأخ والأخت من الأم ولا ريب أن هذه الكلالة ما عدا الوالد والولد والموضع الثاني ورث معها ولد الأبوين أو الأب النصف أو الثلثين فاختلف الناس في هذه الكلالة والصحيح فيها قول الصديق الذي لا قول سواه وهو الموافق للغة العرب كما قال:

( ورثتم قناة المجد لا عن كلالة عن ابني مناف عبد شمس وهاشم)

أي إنما ورثتموها عن الآباء والأجداد لا عن حواشي النسب وعلى هذا فلا يرث ولد الأب والأبوين لا مع أب ولا مع جد كما لم يرثوا مع الابن ولا ابنه وإنما ورثوا مع البنات لأنهم عصبة فلهم ما فضل عن الفروض.

( فصل النوع الثالث من أنواع الرأي المحمود)

النوع الثالث من الرأي المحمود: الذي تواطأت عليه الأمة وتلقاه خلفهم عن سلفهم فإن ما تواطؤا عليه من الرأي لا يكون إلا صوابا كما تواطؤا عليه من الرواية والرؤيا وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه وقد تعددت منهم رؤيا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان: "أرى رؤياكم قد واطأت في السبع الأواخر"، فاعتبر صلى الله عليه وسلم تواطؤ رؤيا المؤمنين فالأمة معصومة فيما تواطأت عليه من روايتها ورؤياها ولهذا كان من سداد الرأي وإصابته أن يكون شورى بين أهله ولا ينفرد به واحد وقد مدح الله سبحانه المؤمنين بكون أمرهم شورى بينهم وكانت النازلة إذا نزلت بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليس عنده فيها نص عن الله ولا عن رسوله جمع لها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جعلها شورى بينهم.

قال البخاري حدثنا سنيد ثنا يزيد عن العوام بن حوشب عن المسيب ابن رافع قال كان إذا جاءه الشيء من القضاء ليس في الكتاب ولا في السنة سمى صوافي الأمر فرفع إليهم فجمع له أهل العلم فإذا اجتمع عليه رأيهم الحق.

وقال محمد بن سليمان الباغندي ثنا عبد الرحمن بن يونس ثنا عمر بن أيوب أخبرنا عيسى بن المسيب عن عامر عن شريح القاضي قال: "قال لي عمر بن الخطاب أن اقض بما استبان لك من قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن لم تعلم كل أقضية رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقض بما استبان لك من أئمة المهتدين فإن لم تعلم كل ما قضت به أئمة المهتدين فاجتهد رأيك واستشر أهل العلم والصلاح".

وقال الحميدي ثنا سفيان ثنا الشيباني عن الشعبي قال كتب عمر إلى شريح: "إذا حضرك أمر لا بد منه فانظر ما في كتاب الله فاقض به فإن لم يكن ففيما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن لم يكن ففيما قضى به الصالحون وأئمة العدل فإن لم يكن فأنت بالخيار فإن شئت أن تجتهد رأيك فاجتهد رأيك وإن شئت أن تؤامرني ولا أرى مؤامرتك إياي إلا خيرا لك والسلام".


( النوع الرابع من أنواع الرأي المحمود)


النوع الرابع من الرأي المحمود أن يكون بعد طلب علم الواقعة من القرآن فإن لم يجدها في القرآن ففي السنة فإن لم يجدها في السنة ( فبما قضى به الخلفاء الراشدون أو اثنان منهم أو واحد فإن لم يجده فبما قاله واحد من الصحابة رضي الله عنهم) فإن لم يجده اجتهد رأيه ونظر إلى أقرب ذلك من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأقضية أصحابه فهذا هو الرأي الذي سوغه الصحابة واستعملوه وأقر بعضهم بعضا عليه.

قال علي بن الجعد أنبأنا شعبة عن سيار الشعبي قال: "أخذ عمر فرسا من رجل على سوم فحمل عليه فعطب فخاصمه الرجل فقال اجعل بيني وبينك رجلا فقال الرجل إني أرضى بشريح العراقي فقال شريح أخذته صحيحا سليما فأنت له ضامن حتى ترده صحيحا سليما قال فكأنه أعجبه فبعثه قاضيا وقال ما استبان لك من كتاب الله فلا تسأل عنه فإن لم يستبن في كتاب الله فمن السنة فإن لم تجده في السنة فاجتهد رأيك".


( خطاب عمر في القضاء)

قال أبو عبيد ثنا كثير بن هشام عن جعفر بن برقان وقال أبو نعيم عن جعفر بن برقان عن معمر البصري عن أبي العوام وقال سفيان بن عيينة ثنا إدريس أبو عبد الله بن إدريس قال أتيت سعيد بن أبي بردة فسألته عن رسل عمر بن الخطاب التي كان يكتب بها إلى أبي موسى الأشعري وكان أبو موسى قد أوصى إلى أبي بردة فأخرج إليه كتبا فرأيت في كتاب منها رجعنا إلى حديث أبي العوام قال كتب عمر إلى أبي موسى أما بعد:

( فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة فافهم إذا أدلى إليك فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له. آس الناسي في مجلسك وفي وجهك وقضائك حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك البينة على المدعي واليمين على من أنكر والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا ومن ادعى حقا غائبا أو بينة فاضرب له أمدا ينتهي إليه، فإن بيّنه أعطيته بحقه وإن أعجزه ذلك استحللت عليه القضية، فإن ذلك هو أبلغ في العذر وأجلى للعلماء ولا يمنعنك قضاء قضيت فيه اليوم فراجعت فيه رأيك فهديت فيه لرشدك أن تراجع فيه الحق فإن الحق قديم لا يبطله شيء ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل والمسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجربا عليه شهادة زور أو مجلودا في حد أو ظنينا في ولاء أو قرابة فإن الله تعالى تولى من العباد السرائر وستر عليهم الحدود إلا بالبينات والإيمان ثم الفهم الفهم فيما أدلى إليك مما ورد عليك مما ليس في قرآن ولا سنة ثم قايس الأمور عند ذلك وأعرف الأمثال ثم اعمد فيما ترى إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق وإياك والغضب والقلق والضجر والتأذي بالناس والتنكر عند الخصومة أو الخصوم شك أبو عبيد فإن القضاء في مواطن الحق مما يوجب الله به الأجر ويحسن به الذكر.)

( فمن خلصت نيته في الحق ولو على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس ومن تزين بما ليس في نفسه شانه الله فإن الله تعالى لا يقبل من العباد إلا ما كان خالصا فما ظنك بثواب عند الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته والسلام عليك ورحمة الله)


ومن اراد شرح هذه الخطبة فعليه بكتاب اعلام الموقعين او لعلنا نقوم بذلك في وقت لاحق ان شاء الله. اسال الله إن يجعل عملي هذا خالصا لوجه الكريم وان يتقبلني في الصالحين وان يغفر لي ولوالدي ولجميع المسلمين انه على كل شيء قدير وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليما كثيرا.

منقول..بتصرف يسير.


والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
New Page 2
 
 

قديم 09-02-2007, 01:02 AM   #2
معلومات العضو
أبو البراء

لموقع ومنتدى الرقية الشرعية - مؤلف ( الموسوعة الشرعية في علم الرقى )
 
الصورة الرمزية أبو البراء
 

 

افتراضي




بارك الله فيكم أخي الحبيب ومشرفنا القدير ( الليبي السلفي ) ، وزادكم الله من فضله ومنه وكرمه ، مع تمنياتي لكم بالصحة والسلامة والعافية :

أخوكم المحب / أبو البراء أسامة بن ياسين المعاني 0
    رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
New Page 2
 
 

قديم 18-03-2007, 06:20 PM   #3
معلومات العضو
الليبي السلفي
إشراقة إشراف متجددة

افتراضي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

وفيك بارك الله اخي المحب / ابو البراء ( المدير العام لموقع ومنتدى الرقية الشرعية )


والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
New Page 2
 
 

قديم 31-03-2007, 04:56 PM   #6
معلومات العضو
صبحى فتحى رزق

إحصائية العضو






صبحى فتحى رزق غير متواجد حالياً

 

 
آخـر مواضيعي
 

 

افتراضي

ربنا يبرك لك ويكرمك ويجعله فى ميذان حسناتك

    رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
New Page 2
 
 

قديم 01-04-2007, 07:43 AM   #7
معلومات العضو
فاديا
القلم الماسي
 
الصورة الرمزية فاديا
 

 

افتراضي

بارك الله فيك وجزاك خيرا مشرفنا الفاضل الليبي السلفي

 

 

 

 


 

توقيع  فاديا
 


لا أشبه الكثير .. وهذا يشرفني جدا


http://quran-m.com/pp/data/506/medium/141_.jpg
    رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

 


بحث عن:


الساعة الآن 11:18 AM



Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.