موقع الشيخ بن باز


 

  لتحميل حلقة الرقية الشرعية للشيخ أبو البراء اضغط هنا


ruqya

Icon36 صفحة المرئيات الخاصة بموقع الرقية الشرعية

الموقع الرسمي للشيخ خالد الحبشي | العلاج بالرقية الشرعية من الكتاب والسنة

الأخوة و الأخوات الكرام أعضاء منتدنا الغالي نرحب بكم أجمل ترحيب و أنتم محل إهتمام و تقدير و محبة ..نعتذر عن أي تأخير في الرد على أسئلتكم و إستفساراتكم الكريمة و دائماً يكون حسب الأقدمية من تاريخ الكتابة و أي تأخر في الرد هو لأسباب خارجة عن إرادتنا نظراً للظروف و الإلتزامات المختلفة

 
العودة   منتدى الرقية الشرعية > أقسام المنابر الإسلامية > منبر السيرة النبوية والأسوة المحمدية

الملاحظات

صفحة الرقية الشرعية على الفيس بوك

إضافة رد
 
 
أدوات الموضوع
New Page 2
 
 

قديم 24-04-2023, 09:59 PM   #1
معلومات العضو
الماحى3

افتراضي سيرة الصحابي : جعفر بن أبي طالب لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب

الدرس 16\50 : سيرة الصحابي : جعفر بن أبي طالب لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .
تفريغ : السيد عماد علان .
التدقيق اللغوي : الأستاذ غازي القدسي .
التنقيح النهائي : المهندس غسان السراقبي .

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

أيها الأخوة الأكارم :
لازلنا مع أصحاب رسول الله رضوان الله عليهم أجمعين وصحابي اليوم :
سيدنا جعفر بن أبي طالب .
وقد أكدت لكم من قبل أن الإنسان من خصائصه أنه يتعلق بالأشخاص أكثر مما يتعلق بالأفكار؛ لذلك إذا درسنا حياة صحابي جليل ورأيناه وقد تمثلت به القيم الإسلامية فهذه حقيقة مع البرهان عليها ، ولأن ترى القيم الإسلامية مجسدةً في شخص جليل أبلغ بكثير من أن تقرأها في كتاب ، أو أن تطلع عليها في نشرة أو ما شاكل ذلك .
ومن هنا كان تدريس السيرة كما يرى بعض العلماء فرض عين ، لأن الله سبحانه وتعالى خاطب النبي عليه الصلاة والسلام ، أو حدثنا عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال :

( سورة الأحزاب : 21 ) .
كيف يكون هذا النبي وأصحابه الكرام أسوة لنا حسنة ، إن لم نقف على سيرته ، وعلى مواقفه من أصحابه ، وإن لم نطّلع على سيرة الأبطال من أصحابه الذين كانوا بحق أبطالاً بكل ما في هذه الكلمة من معنى .
فسيدنا جعفر بن أبي طالب ؛ هو أخ لسيدنا علي بن أبي طالب ، لكن هذا الصحابي الجليل له قصة وما أروعها من قصة ، لقد انضم هذا الصحابي الجليل إلى ركب النور هو وزوجته أسماء بنت عميس ، منذ أول الطريق .
يعني هذا الذي يُسلم ، أو يصطلح مع الله في وقت مبكر ، في شبابه ، هذا له شأن كبير ، من كانت له بداية محرقة كانت له نهاية مشرقة ، الذي يشب على طاعة الله شيء ، والذي يتعرف إلى الله في وقت متأخر شيء آخر ، وكلاً وعد الله الحسنى .
ولكن يا أيها الأخوة :
إذا تعرفت إليه وأنت شاب ما الذي يحصل ؟ أولاً : تُشكل حياتك تشكيلاً إسلامياً ، ألصق شيءٍ بحياتك عملك وزوجتك ، فإذا كنت مسلماً حقاً ، مؤمناً حقاً تختار الزوجة المؤمنة الصالحة التي تعينك على طاعة الله ، وإن كنت مؤمناً مسلماً حقاً ، تختار العمل المهني الذي يرضي الله وإذا عرفت الله في وقت مبكر تنامت هذه المعرفة ، وتراكم هذا العلم ، وتعمقت
تلك التجربة ، وكلما ازددت يوماً في عمرك ، ازددت قرباً من الله عز وجل ، لذلك لا تنسوا نصيحة رسول الله :
اغتنم خمساً قبل خمس ، اغتنم شبابك قبل أن تكون صحتك شغلك الشاغل قبل أن تنتقل من طبيبٍ إلى طبيب ، ومن مستشفى إلى مستشفى ومن تحليل إلى تصوير ، إلى خزعة ، إلى تحليل ، قبل أن تدخل هذه المتاهات ، أغتنم صحتك قبل سقمك ، اغتنم فراغك قبل شغلك ، أنت شاب ليس وراءك زوجة تحاسبك أين كنت البارحة ؟ ولماذا جئت البيت في هذه الساعة المتأخرة ، الزوجة شريكة الحياة ، ومن له شريك فله معلم يحاسبه هذا كلام التجار ، شريكة حياتك ، تسألك وتحاسبك أين كنت ؟ أين ذهبت ؟ قبل الزواج أنت متفرغ ، أنت عصفور طليق تَعَلّم ، ابنِ إيمانك .
أغتنم خمساً قبل خمس ، شبابك قبل هرمك ، صحتك قبل سقمك ، فراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك .
فسيدنا جعفر انضم إلى ركب النور ، انضم إلى جماعة المؤمنين ، أشرق الهدى في نفسه ، تعرّف إلى الله ، في سن مبكرة ، لقد أسلم على يدي سيدنا الصديق رضي الله عنه ، في وقت مبكرٍ جداً قبل أن يدخل النبي عليه الصلاة والسلام دار الأرقم بن الأرقم ، وهي أول دارٍ ظهرت فيها الدعوة الإسلامية .
ولقي الفتى الهاشمي جعفر بن أبي طالب ، وزوجه الشابة ، من أذى قريش و نكالها ما لقيه المسلمون الأولون ، بالله عليكم أليس الله قادراً على أن يخلق النبي وأصحابه في عصرٍ ليس فيه كافر واحد ؟‍ هل هذا يعجز الله عز وجل ؟ لو خلق النبي وأصحابه الكرام الكثر في بلدة وحدهم ، فلما جاء بالدعوة آمنوا به جميعاً وأحبوه جميعاً ، وانتهى الأمر لا غزوات ، ولا حروب ، ولا مناقشات ، ولا مؤامرات ، ولا إخراج ، ولا شعراء هجاءون ولا هجرة إلى المدينة ، ولا إلى الحبشة ، لا شيء من هذا كله ، إذاً فلو أن النبي خلقه الله مع أصحابه ، في بلد وحدهم ، وآمنوا به ببساطة ، وأحبهم وأحبوه ، وأسسوا مجتمعاً إسلامياً ، وسعدوا به ، ثم انقضت حياتهم ، نحن من بعده ، فكيف نتأسّى به ؟ فيما لو لاقينا الصعوبات ؟ لكن هكذا شاءت حكمة الله :

( سورة الأنعام : 112 ) .
وهذه آية ثانية :

( سورة الفرقان : 31 ) .
ليظهر جهاده ، ليظهر صدقه ، ليظهر ثباته ، والله يا عم : لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن اترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه ، عرضوا عليه أجمل فتاة ، عرضوا عليه أن يكون رئيسهم عرضوا عليه أن يكون أغناهم وأكثرهم مالاً، المال والنساء والرئاسة ، آثر النبي عليه الصلاة والسلام الدعوة إلى الله عليها كلها ، كيف تتأسّى به ؟ كيف تجعله نبراساً لك ؟ كيف يكون قدوة لك ؟ الجواب : أن تكون حياة النبي وسيرته كما عرفناها . فاسمعوا هذه الكلمة أيها الأخوة :
إن لم يجرِ على النبي ما يجري على البشر لا يكون سيد البشر ، يجوع ويخاف ، ويتألم ، ويؤلمه الهجاء ، ويؤلمه التكذيب ، تؤلمه السخرية ، يؤلمه خذلان قومه له ، إنه بشر كأي بشر، لكنه كان سيد البشر .

إذاً : لقي جعفر رضي الله عنه من قومه ما لقي ، من الأذى ، من العنت ، من النكال ، من التآمر ، من الإخراج ، وكان هذا الصحابي الجليل يعلم أن طريق الجنة مفروش بالأشواك لا بالزهور .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ وَحُمَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ
( أخرجه مسلم )
حفت الجنة بالمكاره ، وحفت النار بالشهوات ، إن عمل الجنة حزن بربوة وإن عمل النار سهل بسهوه ، من السهولة بمكان أن يسلك الإنسان طريق النار ، يكفي أن يسترسل مع شهواته ، ومع نزواته ، ومع خطراته ، ومع رغباته ، ومع ميوله للدنيا ، يكفي أن يعيش كما يحلو له ، أن يأكل ما يشتهي ، أن يلتقي بمن يشتهي ، أن ينظر إلى ما يشتهي ، وانتهى الأمر.
لذلك كان هذا الصحابي الجليل يعلم علم اليقين أن سلعة الله غالية حتى إن سيدنا علي كرم الله وجهه قال : طلب الجنة بغير عمل ذنب من الذنوب استهزاء بالله ، أن تطلب الجنة بلا عمل ، أن تطلب الجنة بالأماني فهذا استهزاء .
أيها الأخوة :
حديث تعرفونه جميعاً ، فلو وقفنا على دقائقه ، وعلى أبعاده لأصبحت حياتنا حياة أخرى، النبي الكريم وهو الفطن ، وهو أول خلق الله ، يعرّف الذكاء ، قال : الكيس من هو ؟ العاقل ! من هو ؟ ذو العقل الراجح ! من هو ؟ ذو العقل الكبير !. من هو ؟
عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ عَنْ أَبِي يَعْلَى شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا ثُمَّ تَمَنَّى عَلَى اللَّهِ *
( أخرجه ابن ماجه )
الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ ، معنى دان ؛ يعني ضبط نفسه ، ضبط سمعه ، ضبط بصره ، ضبط لسانه ، ضبط ما يدخل في بطنه ، ضبط حركة يده ضبط حركاته ، وسكناته ، ضبط قلبه مما سوى الله ، ضبط فكره أن يعمل لغير الله ، وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ ، إذاً هناك جانب بالإيمان : سلبي ، الاستقامة وجانب إيجابي ، العمل الصالح ، وَالْعَاجِزُ ؛ الغبي ، الجاهل مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَه هَوَاهَا ، دائماً مع هوى نفسه ، مع نزواتها ، كلام العوام ، "شو طالع بيدنا هيك الناس ، الله يعفو عنا ، بلوى عامة يا أخي ، نحنا عبيد إحسان ما لنا عبيد امتحان ، الله يتوب عليّ يا سيدي ، ما لنا غير عفوه وكرمه " هي كلها زعبرة هي .
الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا ثُمَّ تَمَنَّى عَلَى اللَّهِ .
لكن الكفار ضيّقوا على أصحاب النبي ، وشددوا عليهم ، وأحكموا عليهم الخناق ، وقاطعوهم، ونكلوا بهم ، وعذبوهم ، إلى درجة أن حياة المؤمنين في مكة صارت لا تطاق .
لذلك فالنبي عليه الصلاة والسلام ، وهو الحريص على أصحابه الحريص على سلامتهم، الحريص على راحتهم ، أمرهم بالهجرة إلى بلد فيها ملك صالح .
فاستأذن سيدنا جعفر بن أبي طالب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهاجر مع زوجته، ونفرٌ من الصحابة إلى أرض الحبشة ، فأذن لهم وهو حزين ، أؤكد لكم كيف أن أصحاب النبي احبوا النبي ، وهو بادلهم حباً بحب ، يعني كان يتمنى عليه الصلاة والسلام أن يبقوا إلى جانبه ، لكنها مشيئة الله ، والله أيها الأخوة :
نرجو الله أن نكون من هؤلاء ، تجد أخاً يرغب في أن يسافر ، و المصلحة أن يسافر ، يأذن له أبوه أن يسافر ، والله لكن قلبه يتفطر ، يتمنى أن يبقى إلى جانبه ، هذا الشيء طبيعي بين المؤمنين ، المؤمنون بعضهم لبعض نصحة متوادون ، ولو ابتعدت منازلهم ، والمنافقون بعضهم لبعض غششة متحاسدون ، ولو اقتربت منازلهم .
مضى ركب المهاجرين إلى أرض الحبشة ، وعلى رأسهم ـ طبعاً أمير ، والنبي عليه الصلاة والسلام ، قال : إذا كنتم ثلاثة فأمروا أحدكم مجتمع المسلمين منظم ، التنظيم حضارة، التنظيم رقي ، فهؤلاء الذين هاجروا إلى الحبشة أمر عليهم النبي واحداً منهم ، أمر عليهم سيدهم ، أرقاهم أقربهم إلى الله عز وجل ، ونحن كذلك ـ فيجب أن يكون أمير لمجموعة
إخوان سافروا معاً ، يعني بلا أمير يتخاصمون ، أناس منهم فعلاً يحبون أن يعودوا مبكرين وغيرهم يرغب في التأخير ، فالأمير صاحب القول الفصل.
منذ أن أسلموا لم يذوقوا طعم الأمن ، لكنهم حينما هاجروا إلى هذه الأرض ذاقوا حلاوة الأمن، واستمتعوا بحلاوة العبادة ، فليس هناك كفار يستفزونهم ، ولا مشركون يضيقون عليهم الخناق .
بالمناسبة وأقول هذا كثيراً ، العبد المؤمن يمتحن بالرخاء ، ففي الرجاء يقول : والله الحمد لله، الله مفضلها ، طبعاً ، لأن الصحة طيبة ، وضرس طيب كما يقال ، و معك مال وماشي حالك ، يقبّل يده ويضعها على جبينه ويقول يا ربي لك الحمد ، لكن الله يمتحن بالصعوبات ، لا بالرخاء فإن أخذنا مركبة ، فهي بالنزلة والله ممتازة لها كرات رائعة ، لكن بالطلوع كيف حالها ؟ والله حَميت ، والله انقطعت ، فالبطولة لا بالنزلة ، بل بالطلعة ، بالرخاء الكل جيدون ، لكن بالشدة يتساقط الكثيرون

( سورة الأحزاب : 11 )
لذلك أروع شيء بحياة المؤمن ، حينما يأتيه قضاء يكرهه فيقول الحمد لله رب العالمين ، النبي علمنا هذا الشيء ، اللهم أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس ، يا رب المستضعفين ، وأنت ربي إلى من تكلني ، إلى صديقٍ يتجهمني ، أو إلى عدوٍ ملكته أمري ، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ولك العتبى حتى ترضى ، لكن عافيتك أوسع لي .
الآن قريش حينما علمت أن بعض الصحابة الكرام هاجروا إلى الحبشة ونجوا من تعذيبها ونكالها ، سبحان الله ، الشيء الذي لا يصدق أن الكافر يحب إيقاع الأذى بالمؤمنين ولو لم يستفد شيئاً ، حباً للأذى ، فكبر على قريش أن ينجو هؤلاء الشباب ، الصحابة الأطهار ، إلى بلد فيه ملك عادل ، رحيم ، كبر عليها ذلك ، فأرادت أن تكيد لهم وأن ترجعهم مقهورين إلى مكة ، ولنترك الكلام لأم سلمة رضي الله عنها ، تروي لنا الخبر كما عاينته ، لأنها كانت إحدى المهاجرات ، فإلى رواية أم سلمة لخبر أصحاب رسول الله الذين هاجروا إلى الحبشة ، وعلى رأسهم سيدنا جعفر بن أبي طالب .
قالت : لما نزلنا أرض الحبشة ـ هذا كلام أم سلمة ـ لقينا فيها خير الجوار فأمِنّا على ديننا ، وعبدنا الله ربنا من غير أن نؤذى ، أو نسمع شيئاً نكرهه .
يعني بالمناسبة ، إذا كان هناك بلد ، وبإمكان المسلم أن يصلي ، ويصوم ، ويحضر مجالس العلم ، ويلتقي مع إخوانه ، فهذه نعمة كبرى ، لا يعرفها إلا من فقدها ، هذه نعمة اشكروا الله عليها ، أنتم تدخلون إلى بيوت الله وأنتم مطمئنون ، مرتاحون ، بإمكانك أن تصلي بأي مكان ، بإمكانك أن تدخل أي مسجد ، وأن تحضر أي مجلس علم ، وأن تحضر خطب الجمعة ، في بيتك عشر مصاحف تقرأ القرآن ، تقتني كتباً إسلامية ، هذه نعمة لا يعرفها إلا من فقدها .
وتتابع أم سلمة تقول أرسلت إلى النجاشي رجلين جلدين ، وانتقت قريش أذكى رجلين ، وأقوى رجلين ، وأكثرهم دهاءً ، هما عمرو بن العاص ، وعبد الله بن أبي ربيعة ، وبعثت معهما بهدايا كثيرة ، رشوة ، إلى النجاشي ولبطاركته مما كانوا يستظرفونه من أرض الحجاز، ثم أوصتهما بأن يدفعا إلى كل بطريك هديته قبل أن يكلما ملك الحبشة ، حتى إذا أراد ملك الحبشة أن يحكم وأراد أن يستشير البطاركه ، يكونون كلهم قد قبضوا الثمن آخذين الهدايا الثمينة ، فيقولون : والله يا سيدي علينا أن نطردهم ، هكذا نرى المصلحة ، نرى المصلحة أن تطردهم، لأنهم آخذين الهدايا الثمينة .
قالت : فلما قدما الحبشة لقيا بطاركة النجاشي ودفعا إلى كل بطريك هديته ، فلم يبقَ أحد منهم إلا أهديا إليه وقالا له : إنه قد حل في أرض الملك غلمان من سفهائنا .

( سورة البقرة : 11 ـ 15 )
إنه قد حل في أرض الملك غلمان من سفهائنا صبئوا عن دين آبائهم وأجدادهم ، وفرقوا كلمة قومهم ، فإذا كلمنا الملك ، في أمرهم فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ، من دون أن يسألهم عن دينهم خائفين أن يقنعوا الملك ، لأن المؤمن عنده قوة إقناع عجيبة ، يعني مثل ثمامة وضع
في أذنه قطناً ، قالا : من دون أن يسألهم عن دينهم فإن أشراف قومهم أبصر بهم ، واعلم بما يعتقدون والبطاركة رأوا الهدية ثمينة جداً ، فقالوا : تكرموا ، نعم وألف نعم " وكل ما ورد في هذه الساعة برواية أم سلمة .
قالت أم سلمة : ولم يكن هناك شيء أكره لعمرو وصاحبه من أن يستدعي النجاشي أحداً منا ، ويسمع كلامه ، يعني كان عمرو بن العاص يتمنى إن يلتقي بالملك ، وأن يقنعه ، وأن يسلمهم له ، من دون أن يسألهم ، من دون أن يتصل بهم .
يا أيها الأخوة الكرام : اسمعوا هذه الحقيقة :
الحق لا يخشى البحث ، ولا يستحي به ، ولا تحتاج أن تكذب له ، ولا أن تكذب عليه ، ولا أن تبالغ به ، ولا أن تقلل من خصومه ، الحق حق ، والباطل باطل ، لذلك إذا كنت على الحق فلا تخشَ أحداً ، قال تعالى :

( سورة النمل : 79 )

إذا كنت على الحق فلا تخشَ لومة لائم ، ثم أتيا النجاشي وقدما إليه الهدايا فاستظرفها ، شيء جميل ، الله يجزيكم الخير ، بارك الله بكم وأعجب بها ، ثم كلماه فقالا :أيها الملك ـ والله سبحانه يقول :

( سورة الطارق : 16 ) .

( سورة آل عمران : 54 ) .

( سورة الأنفال : 36 )
قالوا أيها الملك : إنه قد آوى إلى مملكتك طائفة من أشرار غلماننا ، انظروا لكلمتهما أشرار :

( سورة يوسف : 77 )
قد جاءوا بدين لا نعرفه لا نحن ولا أنتم ، دين عجيب يا أخي ، ففارقوا ديننا ، ولم يدخلوا في دينكم ، انظروا النفاق ، وقد بعثَنا إليك أشراف قومهم ، من آبائهم ، وأعمامهم ، وعشائرهم ، لتردهم إليهم ، وهم أعلم الناس بما أحدثوا من فتنة عمن كان في مجلس النجاشي ؟ البطاركة ،
هؤلاء المستشارون ، نظر النجاشي إلى بطاركته فقال البطاركة : صدقا أيها الملك ، لقد فعلت الهدايا فعلها ، فإن قومهم أبصر بهم ، وأعلم بما صنعوا ، فردهم إليهم ليروا رأيهم فيهم لكن الملك صالح ، والله عز وجل علمنا ، بالقرآن أن أخطر صفة لمن كان ملكاً ، أو أميراً إن أراد العدل أن يتحقق بنفسه:

( سورة النمل : 23 ـ 27 )
هذه الصفة يجب أن يتحلى بها كل إنسان وليّ أمر الناس ، فغضب النجاشي وقال سننظر حتى نتحقق ، فلماذا غضب النجاشي ؟ لأن البطاركة أشاروا عليه أن يطردهم من دون أن يستمع إليهم .
قالت : فغضب الملك غضباً شديداً ، هذا كلام من ؟ أم سلمة ، فغضب الملك غضباً شديداً من كلام بطاركته ، وقال : لا والله لا أسلمهم لأحد حتى أدعوهم ، وأسألهم عما نسب إليهم ، قلتم أشرار ، قلتم سفهاء قلتم أحدثوا فتنة إذاً فإن كانوا كما يقول هذان الرجلان أسلمتهم لهما ، وإن
كانوا على غير ذلك حميتهم ، وأحسنت جوارهم ما جاوروني ، هذا حقاً كلام ملك صالح .
قالت أم سلمة : ثم أرسل النجاشي يدعونا إلى لقائه ، فاجتمعنا قبل الذهاب إليه ، وقال بعضنا لبعض : إن الملك سيسألكم عن دينكم فاصدعوا بما تؤمنون به ، الملك نصراني ، وليتكلم عنكم جعفر بن أبي طالب ، هكذا النظام ، رئيس الوفد يتكلم ، ولا يتكلم أحد غيره ، قالت أم سلمة : ثم ذهبنا إلى النجاشي فوجدناه قد دعا بطاركته ، فجلسوا عن يمينه وعن شماله ، وقد لبسوا طيالستهم .
قال العلماء : الرجل تحت طيّ لسانه لا تحت طيلسانه ، هذا جناس تام اسمه ، يقين بالله يقين، يعني يقين بالله يقيني ، ما معنى ذلك ؟ يحميني الدنيا إذا حَلت أوحلت وإذا كفت أو كفت ، وإذا أينعت نعت .

ووجدنا عنده عمرو بن العاص ، وعبد الله بن أبي ربيعة ، هؤلاء البطاركة لبسوا طيالستهم ، واعتمروا قلانسهم ، ونشروا كتبهم بين أيديهم فلما استقر بنا المجلس ، التفت إلينا النجاشي وقد توجه إلينا ، وقال : ما هذا الدين الذي استحدثتموه لأنفسكم ؟ وفارقتم بسببه دين قومكم ، ولم تدخلوا في ديني ، ولا في دين أيٍ من هذه الملل ؟ فما أروعها من كلمة قالها هذا الصحابي الجليل ، إذا كان الله مع إنسان يطلق لسانه ، ويثبت جنانه ، ويرفع معنوياته ، تقدم منه جعفر بن أبي طالب وقال أيها الملك :
فتكلم بأدب ، كنا قوماً أهل جاهلية ، نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف ، وبقينا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا ، نعرف نسبه وصدقه ، وأمانته ، وعفافه ، فدعانا إلى الله لنوحده ، ونعبده ، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان ، وقد أمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، والكف عن المحارم ، وحقن الدماء ، ونهانا عن الفواحش ، وقول الزور ، وأكل مال اليتيم ، وقذف المحصنات ، وأمرنا أن نعبد الله وحده، ولا نشرك به شيئاً، وأن نقيم الصلاة ، ونؤتي الزكاة ، ونصوم رمضان ، فصدقناه وآمنا به ، واتبعناه على ما جاء به من عند الله ، فأحللنا ما أحل لنا ، وحرمنا ما حرم علينا ، فما كان من قومنا أيها الملك إلا أن عَدَوا علينا ، فعذبونا أشد العذاب ليفتنونا عن ديننا ، ويردونا إلى عبادة الأوثان ، فلما ظلمونا ، وقهرونا ، وضيقوا علينا ، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك ، واخترناك على من سواك ورغبنا في جوارك ، ورجونا ألا نظلم عندك .
ما هذه البلاغة ؟ هذا توفيق الله عز وجل ، إذا كان الله معك فمن عليك ، أطلق لسانه .
قالت أم سلمة : فالتفت النجاشي إلى جعفر بن أبي طالب ، وقال له هل معك شيءٌ مما جاء به نبيكم عن الله ، قال نعم ، قال فاقرأه عليّ ، فقرأ ، وقد انتقى له سورة مريم :

( سورة مريم : 1 ـ 6 )
حتى أتم صدراً من السورة ، قالت أم سلمة :
فبكى النجاشي ، حتى اخضلت لحيته بالدموع ، وبكى أساقفته حتى بللوا كتبهم ، لِما سمعوا من كلام الله ، هذا كلام الله عز وجل ، وهنا قال لنا النجاشي : إن هذا الذي جاء به نبيكم ، والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة ، هذا هو الحق ، ثم التفت إلى عمرو وصاحبه وقال لهما : انطلقا فلا والله لا أسلمهم إليكما .
قالت أم سلمة : فلما خرجنا من عند النجاشي ، توعدنا عمرو بن العاص ، وقال لصحابه والله لآتين الملك غداً ولأذكرن له من أمرهم ما يملأ صدره غيظاً منهم ، ويشحن فؤاده كرهاً لهم ، ولأحملنّه على أن يستأصلهم من جذورهم ، فقال له عبد الله بن أبي ربيعة : لا تفعل يا عمرو
فإنهم من ذوي قرابتنا ، وإن كانوا قد خالفونا ، فكان الثاني ألطف من صاحبه أجل .
يا الله يا أيها الأخوة :
إنسان يجلس بخندق ضد الدين ، هذا أشقى الناس ، أجل أشقى الناس .
فقال له عمرو : دع عنك هذا ، والله لأخبرنه بما يزلزل أقدامهم ، والله لأقولن له ، يا أيها الملك : إنهم يزعمون أن عيس بن مريم عبد من عباد الله وليس ابن الله ، هذه تقرب أجلهم ، هكذا رأيه .
فلما كان الغد دخل عمرو على النجاشي وقال له : أيها الملك إن هؤلاء الذين آويتهم وحميتهم يقولون في عيسى بن مريم قولاً عظيماً ، انظروا النفاق ، فقد انحازوا إلى عقيدة النصارى في عيسى بن مريم ليكيدوا لهؤلاء الأصحاب ، فأرسل إليهم وسلهم عما يقولون فيه .
قالت سلمة : فلما عرفنا ذلك نزل بنا الهم ، والغم ، ما لم نتعرض لمثله قط ، وقال بعضنا لبعض : أم ماذا نقول في عيسى بن مريم ، إذا سألكم عنه الملك ، فقلنا والله لا نقول فيه إلا كما قال الله عز وجل ، ولا نخرج في أمره قيد أنملة ، عما جاء به نبينا ، وليكن بسبب ذلك ما
يكون ، هكذا المؤمن ، يكون دائماً صادقاً مع الله سبحانه ، ويتقيد بأمره وقوله :

( سورة طه : 71 )
هذا ما قاله فرعون للسحرة ، فاسمعوا الجواب :

( سورة طه : 72 ـ 73 )
هكذا المؤمن لا يحابي ولا يراوغ بل إن سألنا ، فسنجيبه ، بما قال عنه القرآن ، وليكن ما يكون ، المؤمن أحياناً من قوة إيمانه يبلغ درجة لا يبالي معها بشيء ، والله لا أخالف أمر الله قيد أنملة وليكن ما يكون ، ثم اتفقنا على أن يتولى الكلام عنا جعفر بن أبي طالب أيضاً ، ما شاء الله وقف وقفة رائعة ، فلما دعانا النجاشي دخلنا عليه فوجدنا عنده بطاركته على الهيئة التي رأيناهم عليها من قبل ، ووجدنا عنده عمرو بن العاص وصاحبه ، فلما صرنا بين يديه بادرنا بقوله : ماذا تقولون في عيسى بن مريم ؟ .
فقال له جعفر بن أبي طالب : إنما نقول فيه ما جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم .
قال النجاشي : ما الذي يقول فيه نبيكم ؟ فأجاب جعفر : يقول عنه ـ من القرآن أخذ مقالته ـ إنه عبد الله ورسوله وروحه وكلمته التي ألقاها إلى مريم العذراء البتول .
فما إن سَمِع النجاشي قول جعفر حتى ضرب بيده الأرض ، وقال والله ما خرج عيسى بن مريم عما جاء به نبيكم مقدار شعرة ، هذا هو الحق .
عبد الله ورسوله وروحه وكلمته التي ألقاها إلى مريم العذراء البتول فتناخرت البطاركة من حول النجاشي ، تناخرت معناها ؛ أخرجوا أصوات من أنوفهم ، همهموا يعني ، ما أعجبتهم ، استنكاراً لما سمعوا منه ، فقال وإن نخرتم ـ النجاشي يقول : وإن نخرتم ، هذا الذي قالوا عنه هو الحق ثم التفت وقال اذهبوا فأنتم آمنون في أرضي ، اطمأنّ ، من سبكم غرم ، ومن تعرض لكم عوقب ، المركز قَويَ أكثر ، سبحان الله فأرادوا به كيداً فجعلناهم الأخسرين ، فوالله ـ هذا كلام النجاشي : ما أحب أن يكون لي جبل من ذهب وأن يصاب أحد منكم بسوء، أنتم آمنون في أرضي ، من سبكم غرم ، ومن تعرض لكم عوقب ، ثم نظر إلى عمرو وصاحبه ، وقال ـ ردوا على هذين الرجلين هداياهم فلا حاجة لي بهما .
أرادوا أن يستأصلهم من جذورهم ، فاستأصلوا هم ، كن مع الله تَرَى الله معك واترك الكل وحاذر طمعك ، وإذا أعطاك من يمنعه ، ثم من يعطي إذا ما منعك ، إنما أنت له عبد ، فكن جاعلاً في القرب منه ولعك .
قالت أم سلمة : فخرج عمرو وصاحبه مكسورين ، مقهورين ، يجران أذيال الخيبة ، أما نحن فقد أقمنا عند النجاشي بخيرِ دارٍ مع أكرم جار .
هذا درس لنا أيها الأخوة : كن مع الحق ولا تبالِ .
قال له يا غلام : لو أن الأمة اجتمعت على إن ينفعوك بشيء لم ينفوك بشيء إلا قد كتب الله لك ، ولو أن الأمة اجتمعت على إن يضروك بشيء لم يضروك بشيء إلا قد كتب الله عليك .
وفي السنة السابعة للهجرة غادر سيدنا جعفر مع نفر من المسلمين بلاد الحبشة متجهين إلى يثرب فلما بلغوها كان عليه الصلاة والسلام عائداً من توه من خيبر بعد أن فتحها الله له ، ففرح بلقاء جعفر فرحاً شديداً ، حتى قال : اسمعوا كلام النبي اللهم صلّ عليه ، والله ما أدري بأيهما أنا أشد فرحاً بفتح خيبر أم بقدوم جعفر ، هكذا علاقة المؤمنين ، علاقة الحب ، علاقة الشوق ، علاقة الوفاء ، علاقة المؤاثرة ، والمسلمون فرحوا كما فرح النبي عليه الصلاة والسلام .
كان سيدنا جعفر شديد الحدب على الضعفاء والمساكين ، كثير البر بهم ، حتى إنه كان يلقب بأبي المساكين ، أخبر عنه أبو هريرة فقال : كان خير الناس لنا معشر المساكين ، فقد كان يمضي بنا إلى بيته فيطعمنا ، ما يكون عنده ، حتى إذا نفد طعامه أخرج لنا العكة التي يوضع فيها السمن وليس فيها شيء فنشقها ونلعق ما علق بداخلها .
في أول السنة الثامنة للهجرة جهز النبي صلوات الله عليه ، جيشاً لمنازلة الروم في بلاد الشام، وأمر على هذا الجيش زيد بن حارثة وقال إذا قتل زيد أو أصيب فالأمير جعفر بن أبي طالب ، فإن قتل جعفر أو أصيب فالأمير عبد الله بن رواحه ، فإن قتل عبد الله بن رواحه أو أصيب فليختر المسلمون لأنفسهم أميراً .
معركة شديدة جداً ، فلما وصل المسلمون إلى مؤتة وهي قرية واقعة على مشارف الشام في الأردن وجدوا أن الروم قد أعدوا لهم مائة ألف تظاهرهم مائة ألف أخرى ، من نصارى العرب ، من قبائل لخم وجذام وقضاعة ، أما جيش المسلمين فكان ثلاثة آلاف ، وما إن التقى الجمعان ودارت رحى الحرب حتى خر زيد بن حارثة صريعاً مقبلاً غير مدبر ، فما كان إلا أن أسرع جعفر بن أبي طالب وترجل عن ظهر فرسه ، كانت له شقراء وثب عنها وبدأ يقاتل الجيش مشياً على قدميه وحمل الراية وأوغل بها في صفوف الروم وهو ينشد فاسمعوا نشيده :
يا حبذا الجنة و اقترابها طيبة وباردٌ شرابها
الروم روم قد دنا عذابها كافرة بعيدة أنسابها
عليّ إذ لاقيتها ضرابها
وظل يجول في صفوف الأعداء بسيفه ويصول حتى أصابته ضربة قطعت يمينه ، فأخذ الراية بشماله .
والله إذا انجرحت أصبع واحد هذه الأيام ، فيطلب إجازة ، ويتغيّب كذا يوماً عن العمل ! بدو إجازة وعلى الشغل ثاني يوم يستلقي على ظهره وهاتوا ضماد ، و هاتوا مقويات ، و هاتوا أسبرين ، وإبرة كزاز .
قطعت يمينه ، فأمسك الراية بشماله ، فما لبث أن قطعت شماله ، فأخذ الراية بصدره وعضديه ، فما لبث أن أصابته ثالثة ، شطرته شطرين فأخذ الراية منه عبد الله بن رواحه فما زال يقاتل بها حتى لحق بصاحبيه .
بلغ النبي عليه الصلاة والسلام مصرع القواد الثلاثة ، فحزن عليهم أشد الحزن ، وانطلق إلى بيت ابن عمه جعفر ، من شدة حزن النبي أراد أن يبلغهم هو بنفسه هذا النبأ المحزن ، ليكون وقعه عليهم خفيفاً ، انطلق إلى بيت جعفر فألفى زوجته أسماء تتأهب لاستقبال زوجها الغائب، فهي قد عجنت عجينها ، وغسّلت بنيها ، ودهنتهم ، وألبستهم .
قالت أسماء : فلما أقبل علينا النبي عليه الصلاة والسلام ، رأيت غلالة من الحزن توشح وجهه الكريم ، فالأمر غير طبيعي ، كثرتْ المخاوف في نفسي ، غير أني لم أشأ أن أسأله عن جعفر ، مخافة أن أسمع منه ما أكره ، ما سألته ، فحيا وقال : ائتيني بأولاد جعفر ، فدعوتهم له ، فهبوا نحوه فرحين مزغردين وأخذوا يتزاحمون عليه كلٌ يريد أن يستأثر به
فأكب عليهم .
يا إخوان من يحب شخصاً يحب أولاده ، هذه قاعدة صحيحة ، فمحبة الآباء تورث محبة الأبناء ، أقبل نحوهم ، وتشممهم ، وعيناه تذرفان من الدمع ، فقلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي ، ما يبكيك ؟ أبلغك عن جعفر وصاحبيه شيء ، قال : نعم ، وألقى الكلمة الفاجعة ، لقد استشهدوا هذا اليوم ، عندئذ غاضت البسمة من وجوه الصغار ، لما سمعوا أمهم تبكي وجمدوا في أمكنتهم ، وكأن على رؤوسهم الطير ، أما النبي عليه الصلاة والسلام فمضى وهو يكفكف عبراته ويقول : اللهم اخلف جعفراً في ولده ، اللهم اخلف جعفراً في أهله ثم قال : لقد رأيت جعفراً في الجنة له جناحان مضرجان بالدماء ، وهو مصبوغ القوادم .
إنها مرتبة عالية عند الله ، إنها الشهادة ، هذا الصحابي الجليل عاش حياته مهاجراً تارة ، ومجاهداً تارة أخرى ، إلى أن لقي الله وهو عنه راضٍ ، وسمعت أنه سينشأ جامع في مطار دمشق إن شاء الله ، باعتباره مطاراً دائباً بحركة الطيران وسيسمي " جامع جعفر الطيار "
النبي عليه الصلاة والسلام رآه يطير في الجنة ، بجناحين ألم تقطع يداه ؟ فأبدله الله عز وجل جناحين ، يقول : رأيت جعفراً في الجنة له جناحان مضرجان بالدماء ، وهو مصبوغ القوادم.
والله أهم ما في الدنيا طاعة الله ، وما فيها شيء أفضل من القرب من الله عز وجل ، ما لها وزن إلا أن تكون عند الله مرضياً ، فإذا رضي الله عنك لا تسأل عن الدنيا ، ابن آدم اطلبني تجدني فإذا وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فتك فاتك كل شيء ، وأنا أحب إليك من كل شيء.
والحمد لله رب العالمين


الكتاب: سيرة خمسين صحابي
المؤلف: الدكتور محمد راتب النابسلي
المصدر: الشاملة الذهبية

    رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

 


بحث عن:


الساعة الآن 03:47 AM



Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2024, Jelsoft Enterprises Ltd.
By Media Gate - https://mediagatejo.com