" قصاص المؤمنين بعضهم من بعض "
في صحيح الأدب المفرد عن أبي سعيد الخدري رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «إذا خلص المؤمنون من النار، حبسوا بقنطرة بين الجنة والنار، فيتقاصون مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا نقوا وهذبوا أُذن لهم بدخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم بمسكنه في الجنة أدل بمنزله كان في الدنيا» .
ففي ذلك اليوم تكون ثروة الإنسان ورأس ماله حسناته، فإذا كانت عليه مظالم للعباد فإنهم يأخذون من حسناته بقدر ما ظلمهم، فإن لم يكن له حسنات أو فنيت حسناته، فإنه يؤخذ من سيئاتهم فيطرح فوق ظهره حتى يرد في النار، وهذا هو المفلس كما سمَّاه الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «أتدرون من المفلس ؟» قالوا : المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع ، فقال : «إن المفلس من أمتي، من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا؛ فيعطي هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإذا فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه، أخذت من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار» .
والمدين الذي مات وللناس في ذمته مال يأخذ أصحاب الأموال من حسناته بمقدار ما لهم عنده، جاء في الحديث الصحيح عن ابن عمر رضى الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من مات وعليه دينار أو درهم قضى من حسناته، ليس ثمَّ دينار ولا درهم» .
وفي سنن الترمذي بإسناد صحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت : جاء رجل فقعد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله، إن لي مملوكين يكذبونني ويخونني ويعصونني وأشتمهم وأضربهم فكيف أنا منهم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إذا كان يوم القيامة يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم، فإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم فإنهم كفافًا لا لك ولا عليك، وإن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم كان فضلاً لله، وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم اقتص لهم منك الفضل» فتنحى الرجل وجعل يهتف ويبكي ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أما تقرأ قوله تعالى : " وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ " [الأنبياء: 47]» .
ولما كان هذا شأن الظلم فحري بنا أن نخافه ونحذره ونجتنبه، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الظلم يكون ظلمات على صاحبه يوم القيامة فقال صلى الله عليه وسلم : «اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة» [رواه مسلم].