عرض مشاركة واحدة
New Page 2
 
 

قديم 07-04-2008, 07:09 PM   #7
معلومات العضو
منذر ادريس
اشراقة ادارة متجددة

افتراضي

وهذا حوار أجري مع الشيخ عبد العزيز السعيد في جريدة الرياض حول الموضوع

د. عبدالعزيز السعيد رئيس الجمعية العلمية السعودية للسنة وعلومها لـ «الرياض»
الشرع حرم السحر تعلماً وتعليماً وعملاً وعقداً وحلاً في الأحوال كلها ولم يستثن حالة منها.

اجرى الحوار - علي الشثري
حذر رئيس الجمعية العلمية السعودية للسنة وعلومها ورئيس قسم السنة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الدكتور عبدالعزيز بن محمد السعيد من السحر والسحرة حيث جاء الشرع بتحريم السحر تعلماً وتعليماً وعملاً وعقداً وحلاً في الأحوال كلها ولم يستثن حالة منها.
وأكد في حديث ل «الرياض» عدم جواز حل السحر بالسحر لوجود ما يحل به السحر من الأدعية والأدوية المباحة مشيراً بأن إجازة بعض أهل العلم حل السحر بالسحر محل نظر بل خطأ محض لعدم فهم معنى النشرة التي رخص فيها للمسحور.

وقال الدكتور السعيد وكون بعض الناس لا ينتفع بالرقية لا يعني عدم صلاحيتها بل قد يكون ذلك راجعاً للعبد نفسه لضعف في يقينه وتوكله على الله أو عدم مبالاة بها.

وفيما يلي نص الحوار:

٭ من المعلوم أن العلماء قسموا حل السحر إلى نوعين جائز ومحرم، فهل لكم أن تبينوا هذا بالتفصيل؟

- أولاً: حل السحر عن المسحور نوعان:

أحدهما: حل السحر عن المسحور بالرقية المأذون فيها، كالرقية بكتاب الله، أو بالأدعية المعروفة المعنى، التي ليس فيها شرك، ولا محرم، ولا بالأدوية المباحة، فهذا النوع لا بأس به، لدخوله في التداوي المشروع، وأدلة هذا النوع كثيرة.

الثاني: حل السحر عن المسحور بالسحر، فهذا النوع محرم، للأدلة الدالة على تحريم السحر عملاً وتعلما وتعليما وإتيانا لأهله.

ومن الأدلة الدالة على ذلك قوله تعالى: {ولا يفلح الساحر حيث أتى** قال الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله في كتابه (أضواء البيان): «فاعلم أن قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {ولا يفلح الساحر حيث أتى** الآية، يعم نفي جميع أنواع الفلاح عن الساحر، وأكد ذلك بالتعميم في الأمكنة بقوله: {حيث أتى**، وذلك دليل على كفره. لأن الفلاح لا ينفي بالكلية نفياً عاماً إلا عمن لا خير فيه وهو الكافر. ويدل على ما ذكرنا أمران:

الأول هو ما جاء من الآيات الدالة على أن الساحر كافر. كقوله تعالى:{وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر** فقوله:{وما كفر سليمان** يدل على أنه لو كان ساحراً وحاشاه من ذلك لكان كافراً. وقوله: {ولكن الشياطين كفروا يعلّمون الناس السحر** صريح في كفر معلم السحر، وقوله تعالى عن هاروت وماروت مقرراً له: {وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر**، وقوله: {ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق** أي من نصيب، ونفي النصيب في الآخرة بالكلية لا يكون إلا للكافر عياذاً بالله تعالى. وهذه الآيات أدلة واضحة على أن من السحر ما هو كفر بواح، وذلك مما لاشك فيه. الأمر الثاني أنه عرف باستقراء القرآن أن الغالب فيه أن لفظة (لا يفلح) يراد بها الكافر، كقوله تعالى في سورة يونس: {قالوا اتخذ الله ولداً سبحانه هو الغني له ما في السموات وما في الأرض إن عندكم من سلطان بهذا أتقولون على الله ما لا تعلمون قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون**، وقوله في سورة يونس أيضا:{فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون**. وقوله في سورة الأنعام: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذّب بآياته إنه لا يفلح الظالمون** الى غير ذلك من الآيات.

والسحر كفر مطلقا (لأن اليهود لما أضافوا السحر لسليمان عليه السلام قال - تعالى - تنزيهاً له عنه: {وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر** فظاهر هذا أنهم إنما كفروا بتعليمهم السحر، لأن ترتيب الحكم على الوصف المناسب يشعر بعليته، وتعليم ما لا يكون كفراً لا يوجب الكفر. وهذا يقتضي أن السحر على الإطلاق كفر، وكذا يقتضي ذلك قوله تعالى عن الملكين:{وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر** انتهى من الزواجر لابن حجر الهيتمي.

وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا وما هن يا رسول الله؟ قال: الإشراك بالله والسحر..» الحديث.

ويؤيد هذا نهي الشرع عن التداوي بالمحرمات، كما قال الله تعالى: {ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث**، وفي حديث عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه قال: كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله كيف ترى في ذلك؟ فقال: «اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيها شرك» أخرجه مسلم، وقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم» أخرجه البيهقي وصححه ابن حبان من حديث ابن مسعود رضي الله عنه، وفي حديث ابي هريرة رضي الله عنه قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدواء الخبيث) أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي، وعن وائل ابن حجر رضي الله عنه أن طارق بن سويد سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الخمر فنهاه، فقال: إنما أصنعها للدواء، فقال: «إنه ليس بدواء ولكنه داء» خرجه مسلم.

٭ إذا كان الأمر كما ذكرتم من تحريم السحر، فهل يصح أن يرخص في السحر في بعض الأحوال؟

- هذه دلائل الشرع المطهر التي سبق ذكرها دالة على تحريم السحر عقدا وحلا، ولم تفرق بين الحالين، ومن فرق وجب عليه إثبات هذا التفريق بالأدلة الشرعية. وليس مع من فرق دليل يعتمد عليه، والشرع جاء بتحريم السحر تعلما وتعليما وعملا وعقدا وحلا في الأحوال كلها ولم يستثن حالة منها، بل جاء في خصوص هذه المسألة حديث جابر رضي الله عنه عند أحمد وأبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن النشرة، فقال: {هي من عمل الشيطان** حسنه الحافظ ابن حجر في الفتح، وجود إسناده ابن مفلح في الفروع، واختلف في وقفه ورفعه، وهذا الحديث محمول على النشرة المحرمة ومنها حل السحر عن المسحور بسحر مثله، قال السهيلي: «وهذا والله أعلم في النشرة المحرمة التي فيها الخواتم والعزائم وما لا يفهم من الأسماء».

وإذا تقرر أن السحر محرم بموجب النصوص والقواعد الشرعية، وإجماع العلماء. فهذا أصل يجب استصحابه عند الكلام في مسائل السحر ومنها حل السحر بسحر مثله، ومن أهمل هذا الأصل أو لم يستصحبه فقد أضاع هذا الباب، وأتى بالعجائب ووقع في التناقض، وإغفال هذا الأصل أو نسيانه سبب في الانحراف في الفتيا.

٭ هل هناك لوازم تلزم من قال بجواز حل السحر عن المسحور بالسحر للضرورة؟

- القول بجواز حل السحر عن المسحور يلزم عليه لوازم باطلة، منها: جواز تعلم السحر لمن أراد تعلمه من أجل حله عمن أصيب به، بل يتعين أن يكون ذلك من فروض الكفايات على الأمة، وهذا باطل لا يقول به أحد من أهل العلم المعتبرين، وتقدم قريبا في حديث وائل بن حجر رضي الله عنه ما يبطل هذا.

ويلزم على هذه القول أن السحرة منهم المصلح المثاب عند الله تعالى وهو الذي يحل السحر، ومنهم المفسد المستحق للعقاب وهو من يعقد السحر، بل يتعدى الى ما هو أعم . من ذلك، فمن تعلمه من أجل الإضرار به فهو محرم، ومن تعلمه من أجل النفع فمستحب. وهذا خلاف ما قضى الله به على السحرة على جهة الاطلاق والعموم {ولا يفلح الساحر حيث أتى** {ولا يفلح الساحرون** {قال ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين** فنفى عن السحرة الفلاح نفياً عاماً مطلقاً كما سبق تقريره، ووصفهم بأنهم مفسدون، ولم يستثن من السحرة أحداً، ولا من سحرهم شيئاً.

وأمر عظيم، ولازم خطير لهذا القول، وهو أن آتي الساحر لحل السحر إما أن يرضى بشرك الساحر بالله حتى يشفى من السحر الذي أصابه، أو أن يحمل الساحر على الإشراك بالله حتى يسحر له، وهو من جنس شرك المشركين الذين قال الله فيهم: {وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا**، وكون آتي الساحر لا يقول له بلسان المقال: اشرك بالله، إلا أن لسان الحال دال عليه؛ فإنه لا سحر إلا بشرك بالله تعالى؛ ولهذا إذا جاء إلى الساحر ليحل عنه السحر لا ينكر عليه سحره، ولا ينهاه عنه، بل يجلس بين يديه، والساحر يدعو غير الله ويستعين بأوليائه من الجن، ويستمتع بهم كما ذكر الله ذلك في قوله: {ويوم يحشرهم جميعاً يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم** فهل ترضى النفس المؤمنة بهذا الشرك العظيم؟! وهل يطلب المؤمن شفاء بدنه بمرض قلبه وذهاب دينه؟! فأين التوحيد؟! وأين البراءة من الشرك وأهله؟! وأين من يفتي بجواز إتيان السحرة لحل السحر عن هذا الأمر الخطير، وعن هذه اللوازم التي لا تنفك عنها هذه الفتوى؟!

٭ لاشك ان لمن أفتى بجواز حل السحر عن المسحور بسحرمثله ما يستند إليه في فتواه، فما أبرزها؟ وما جوابكم عنها وقد قدمتم ان السحر محرم تحريماً مطلقاً عقداً وحلاً؟

- إن عمدة من أفتى بجواز حل السحر بسحر مثله: الضرورة، والقاعدة الشرعية أن الضرورة تبيح المحرمات. وهذه القاعدة لا اعتراض عليها نفسها؛ فإنها فرع عن القاعدة المتفق عليها وهي قاعدة (المشقة تجلب التيسير)، ولكن الاعتراض على تنزيل هذه الحالة على القاعدة، وبيان ذلك أن هذه القاعدة ليست على إطلاقها وعمومها، بل لها استثناءات مذكورة في مظانها من كتب القواعد الفقهية، ولم يعمل أحد من العلماء بهذه القاعدة دون أن يستثني منها، وإذا تقرر هذا فنقول: إن من سُحر فلا يحل له أن يأتي الساحر لحل السحر عنه بموجب هذه القاعدة لأمور:

الأمر الأول: خروج هذه الحالة من القاعدة بالأدلة الدالة على تحريم السحر وإتيان أهله، والأدلة الدالة على تحريم التداوي بالمحرمات، والتي تقدم ذكر طرف منها.

والأمر الثاني: ان الاضطرار لا يبيح للإنسان أن يعتدي على غيره، وآتي الساحر معتد على غيره إذ هو حامل لغيره على الكفر بالله كما سبق بيانه، بل هذه المسألة أشبه بمسألة اتفق العلماء على تحريمها في الإكراه، وهي إذا أكره أحد على قتل إنسان فإنه يحرم عليه قتله من أجل استبقاء نفسه بالاجماع كما حكاه القرطبي عند تفسير قوله تعالى في سورة النحل: {من كفر بالله من بعد ايمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان** الآية، واستثنيت هذه الحالة من القاعدة مع غيرها، وحمل الغير على الكفر أشد من إزهاق نفسه - وإن كان الفعلان محرمين. فكان استثناء هذه الحالة التي نحن بصدد الكلام عليها من قاعدة (الضرورة تبيح المحرمات) أولى؛ لأنه لا يجوز له أن يطلب شفاء نفسه بهلاك دين غيره.

الأمر الثالث: لا نسلم أن هذا من باب الضرورة؛ فإن الله عز وجل جعل فيما أباح غنية عما حرم، وقد شرع الله الرقية بالكتاب والأدعية المأثورة والمباحة والتداوي بأنواع الأدوية المباحة شرباً وأكلاً واستخراجاً ونحو ذلك، وقد أزال الله بها السحر عن خلائق كثيرين، والله عز وجل قال: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين** فإما أن يقول الإنسان ليس القرآن بشفاء، فذاك خلاف ما دل عليه القرآن، وإما أن يقول هو شفاء فتنتفي دعوى الضرورة، وعلى المسلم أن يتفقد نفسه، ويلحظ تقصيره، ويقوي يقينه بربه؛ فإن ذلك من أعظم ما ينفع الله به العبد، ويخلصه به من كل شدة وبلاء. قال العلامة ابن مفلح في كتابه (الآداب الشرعية): (ومن أعظم ما يتحصن به من السحر ومن أنفع علاج له بعد وقوعه التوجه إلى الله سبحانه وتعالى، وتوكل القلب والاعتماد عليه، والتعوذ والدعاء، وهذا هو السبب الذي لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه استعمل شيئاً قبله، بل قد يقال: لم يصح انه استعمل شيئاً غيره، وهو الغاية القصوى والنهاية العظمى).

وكون بعض الناس لا ينتفع بالرقية لا يعني ذلك عدم صلاحيتها، بل قد يكون ذلك راجعاً للعبد نفسه؛ لضعف في يقينه وتوكله علي الله، أو عدم مبالاة بها وإنما كان ذلك من باب التجربة فحسب، كما يصنعه طائفة من الناس، إلى غير ذلك من المعاني.

وإنما يكون حله بالسحر. على فرض عدم وجود الأدلة المانعة من ذلك في كل الأحوال. إذا لم يكن هناك طريق لحله إلا بالسحر، ونحن نعارض من يفتي بجوازه بأن الضرورة هنا منتفية رأساً، لوجود ما يحل به السحر عن المسحور من الأدعية والأدوية المباحة.

٭ أليس هذا في حكم المكره الذي أباح له الشرع الاجابة إلى الكفر ظاهراً؟

- لو استدل أحد بقوله تعالى في سورة النحل {من كفر بالله من بعد ايمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غصب من الله ولهم عذاب عظيم** على جواز حل السحر عن المسحور بسحر مثله، على اعتبار أن المسحور مكره أو في حكم المكره المستثنى في الآية وخاصة إذا كان السحر قد يؤول به إلى القتل؟ فالجواب عنه أن هناك فرقاً بينه وبين المكره في الآية من وجوه:

الوجه الأول: ان المكره إذا تكلم بالكفر أو فعل الكفر. على قول من يقول بجواز فعل ما أكره عليه. لم يكن فيه حمل لغيره على الكفر، وأما حل السحر ففيه طرف آخر، وهو الساحر أو الجني، فإن من أتى ساحراً ليحل عنه السحر فقد حمله على الكفر بالله، ومن حل السحر بنفسه فقد حمل الجني على الشرك بالله، بخلاف إذا نطق بالكفر أو فعله فليس هناك طرف آخر، فافترقا.

الوجه الثاني: ان حل السحر من باب الاستشفاء وقول الكفر أو فعله من باب الدفع عن النفس، وقد جاء الشرع بتحريم التداوي بالمحرمات، وأباح في الدفع عن النفس النطق بالكفر أو فعله، فلا يلحق هذا بهذا! فإن للدفاع عن النفس أحكامه الخاصة، وللتداوي أحكامه الخاصة.

الوجه الثالث: إن الأصل تحريم الكفر قولاً وعملاً ورضى وإقراراً، فلا يجوز الاستثناء من هذا التحريم إلا بدليل، وقد دل الدليل على جواز النطق بالكفر أو فعله عند الإكراه، ولم يأت الإذن في السحر.

الوجه الرابع: إن كثيراً من أهل العلم حمل الإكراه في الآية على الإكراه بالقتل، وعليه فذهاب النفس عند عدم إظهار الكفر مقطوع به، وذهابها بالسحر مظنون، فاختلف الحكم للفارق بينهما.

الوجه الخامس: إن السحر فيه تعلق بالمخلوق واعتقاد فيه، والشرع جاء بقطع علائق الإشراك بالله سواء كان الشرك الأكبر أو الأصغر؟ وإتيان السحرة فيه تعلق بهم، وأثر على قلب العبد وتوحيده، وهذا لا ينكره من يعرف حقيقة التوحيد وحقيقة الشرك والسحر؟ وأما المكره فإنما أبيح له إظهار الكفر بشرط اطمئنان قلبه بالإيمان، فلا تعلق إلا بالله، وما قاله أو فعله فهو منكر له!

الوجه السادس: إن القتل أو ما دونه متحقق عدم وقوعه عند النطق بالكفر بخلاف إتيان الساحر لحل السحر فليس محققاً، فكم من المسحورين ممن ذهب إلى ساحر بل إلى سحرة ليحلوا عنه السحر فلم يقدروا على ذلك، فخسروا الدنيا والآخرة، عياذاً بالله تعالى، وهذا أمر معلوم مشتهر من أحوال الذين ابتلوا بالذهاب إلى هؤلاء السحرة، نسأل الله العافية والسلامة، وهذا فرق معتبر فكيف يلحق هذا بهذا، وكيف يلغى هذا الفارق مع ظهوره ووضوحه؟!

٭ من أفتى من المعاصرين بجواز ذلك قد سبقه إليه بعض أهل العلم، فما تعليقكم؟

- نقول لاشك ان هناك بعض أهل العلم قد قال بهذا القول قديماً ولكن ليس كل ما قيل يكون صحيحاً موافقاً للكتاب والسنة، فإن الخطأ وارد على المتقدم كما هو الشأن في المتأخر، ونحن نبين هذه المسألة لأهميتها في الآتي:

الأول: إن خلاف العلماء في أي مسألة من المسائل مرجعه إلى الكتاب والسنة لقوله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا** وقوله جل شأنه: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله** وقوله عز شأنه {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم**، وليس اختلاف العلماء دليلاً شرعياً، وإنما يؤخذ من أقوال أهل العلم ما وافق الكتاب والسنة، ويرد ما خالفهما، مع حفظ مقام العلماء، ومعرفة فضلهم، فإنهم مجتهدون مأجورون.

وهذا أصل مهم في هذه المسألة وغيرها، فلا يصح أن يحلل الإنسان شيئاً أو يحرمه بناء على اختلاف العلماء، فإن الحجة في إجماعهم وليس في اختلافهم، ومن جعل اختلافهم حجة فقد رد على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم، والله يقول: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا**، ويقول: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم**.

وعلى هذا فمن ترك نصوص القرآن والسنة الدالة على تحريم السحر تحريماً قطعياً، واستند في فتواه في جواز حل السحر عن المسحور بسحر مثله إلى بعض آراء أهل العلم فقد جانب الصواب، وخالف الكتاب، واستدل بما ليس بدليل بالإجماع.

الثاني: إن نسبة هذا القول لبعض أهل العلم سوى من صرح به محل نظر بل خطأ محض، وهذا عائد إلى عدم فهم معنى النشرة التي رخص فيها للمسحور، فحملها على النشرة الشركية وهي حل السحر عن المسحور بسحر مثله، وهم أرادوا معنى آخر، كان معلوماً عندهم وجاء بيانه على لسان غير واحد من أهل العلم، وذلك أن النشرة أنواع، منها قراءة أشياء غير معلومة المعنى ولم تثبت في السنة أو كتابتها وتعليقها أو سقيها، كما ذكره الألوسي، وهذا من النشرة الحرمة،

وقال ابن عبدالبر: والنشرة من جنس الطب فهي غسالة شيء له فضل.. وفي شرح ابن بطال على صحيح البخاري: قال الشعبي: لا بأس بالنشرة العربية التي لا تضر إذا وطئت، وهي أن يخرج الإنسان في موضع عضاه فيأخذ عن يمينه وشماله من كل ثم يدقه ويقرأ فيه ثم يغتسل به. وفي كتب وهب بن منبه أن يأخذ سبع ورقات من سدر أخضر فيدقه بين حجرين ثم يضربه بالماء ويقرأ فيه آية الكرسي وذوات (قل) ثم يحسو منه ثلاث حسوات ويغتسل به، فإذا يذهب عنه كل ما به إن شاء الله، وهو جيد للرجل إذا حبس عن أهله. وقال القرطبي: هي أن يكتب شيئاً من أسماء الله أو من القرآن ثم يغسله بالماء ثم يمسح به المريض أو يسقيه.

فأنت ترى أن النشرة لها معان، فلا يجوز حمل كلام من أجازها على حل السحر بالسحر إلا ببرهان بين، وأما من أطلق جواز حل السحر أو أباح النشرة فيحمل كلامه على حل السحر بغير السحر من معاني النشرة، فإن الأصل حمل كلام أهل العلم على ما لا يخالف الشرع، ولهذا حمل كثير من أهل العلم كلام من أجاز حل السحر عن المسحور على أنهم أرادوا حله بغير السحر. وقال القرطبي في تفسيره: واختلف العلماء في النشرة، وهي أن يكتب شيئاً من أسماء الله أو من القرآن ثم يغسله بالماء ثم يمسح به المريض أو يسقيه، فأجاز سعيد بن المسيب، قيل له الرجل: يؤخذ عن امرأته أيحل عنه وينشر قال لا بأس به وما ينفع لم ينه عنه، ولم ير مجاهد أن تكتب آيات من القرآن ثم تغسل ثم يسقاه صاحب الفزع وكانت عائشة تقرأ بالمعوذتين في إناء ثم تأمر أن يصب على المريض. وذكر ابوحيان نحوه.

وقال ابن القيم: النشرة: حل السحر عن المسحور، وهي نوعان: حل سحر بسحر مثله، وهو الذي من عمل الشيطان، فإن السحر من عمل فيتقرب إليه الناشر والمنتشر بما يحب، فيبطل عمله عن المسحور، والثاني: النشرة بالرقية والتعوذات والدعوات والأدوية المباحة، فهذا جائز، بل مستحب، وعلى النوع المذموم يحمل قول الحسن «لا يحل السحر إلا ساحر».

٭ أليس القول بالجواز مروياً عن الإمام أحمد رحمه الله، وهو عمدة من يفتي به من المعاصرين؟

- ما نقل عن الإمام أحمد من جوازه لا يصح، وذكر غير واحد من فقهاء المذهب أنه توقف فيه كابن قدامة والمرداوي والبهوتي، قال الشيخ سلميان بن عبدالله في (تيسير العزيز الحميد): (وغلط من ظن أنه أجاز النشر السحرية، وليس في كلامه ما يدل على ذلك، بل لما سئل عن الرجل يحل السحر، قال: قد رخص فيه بعض الناس، قيل: انه يجعل في الطنجير ماء ويغيب فيه؟ فنفض يده وقال لا أدري ما هذا! قيل له: أفترى يؤتى مثل هذا؟ قال: لا أدري ما هذا! وهذا صريح في النهي عن النشرة على الوجه المكروه، وكيف يجيزه وهو الذي روى الحديث أنها من عمل الشيطن! ولكن لما كان لفظ النشرة مشتركاً بين الجائزة والتي من عمل الشيطان، ورأوه قد أجاز النشرة ظنوا أنه أجاز التي من عمل الشيطان، وحاشاه من ذلك). وقد راجعت جملة من كتب المذهب فلم أجدهم نقلوا نصاً عن أحمد في جواز حل السحر بالسحر، وإنما نقل عنه جواز حل السحر، ولم يذكر جنس ما يحل به، وقد قدمنا أنواعاً من النشرة، منها المباح ومنها المحرم، وكلام الإمام احمد يحمل على المباح، والقصة المذكورة آنفاً شاهدة على هذا.

٭ هل من كلمة تريدون قولها في نهاية هذا اللقاء؟

- أقول انه بما سبق ذكره فليس هناك دليل يصح أن يكون مستنداً لقول من قال بجواز حل السحر عن المسحور بسحر مثله، بل الأدلة الصريحة الصحيحة على خلاف هذا القول، ولهذا لم يقل بهذا القول إلا نزر يسير والعامة على خلافه، ولولا أن المقام لا يسمح بالإطالة لأوردت جملة من النقول عن أهل العلم في رد هذا القول، وبيان عدم صحة هذه الفتوى. كما أقول لإخواني المسلمين ممن أصابهم شيء من السحر أن يطلبوا الشفاء منه بالطرق المأذون فيها شرعاً، فإن موت العبد على التوحيد خير له من صحة جسده ومرض قلبه بالتعلق بغير الله عز وجل، فإنه لا ينجو إلا من قدم على ربه بقلب سليم كما قال تعالى {ولا تخزني يوم يبعثون يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم**.

هذا وأسأل الله أن يوفق الجميع للصواب، وأن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، وأن يمن على مرضى المسلمين بالشفاء، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

    رد مع اقتباس مشاركة محذوفة