عرض مشاركة واحدة
New Page 2
 
 

قديم 16-06-2006, 04:15 PM   #1
معلومات العضو
د.عبدالله
اشراقة ادارة متجددة

افتراضي &&( قصة وعبرة ... قارون وفتنة الثروة)&&

فتنة المال من أشد الفتن وأعتاها على البشر، ولقد صور الله تعالى تلك الفتنة أروع تصوير في قصة قارون وما آتاه الله من ثروة.

فالقرآن حدثنا عن كنوز قارون، فبين القرآن أن مفاتيح الخزائن كان يصعب حملها على مجموعة من الرجال الأشداء، فكيف كانت الكنوز نفسها؟!

وقارون في قصتنا يمثل قوة المال وفتنته حين يستأثر به صاحبه، ويظن أنه بعلمه ومهارته أمسى مالكه ومحصله، ومن ثم فهو المتصرف فيه وحده، وليس لأحد عليه سلطان!

إن عشق المال يعمي ويصم، إذ يجعل كل شيء مباحا في سبيل الحصول عليه، وإنفاقه، وكل ما يتعلق به من معاملات، فإن احتاج عاشقه للاحتيال والخداع، احتال وخدع، وإن احتاج للكذب والبغي، كذب وبغي.

بغي قارون



لقد بغى قارون على قومه بعد أن آتاه الله الثراء، ولا يذكر القرآن كيف كان البغي، ليدعه عاما يشمل شتى صور الطغيان، فربما بغى عليهم بغصبهم أموالهم وأشياءهم، وربما بغى عليهم بحرمانهم حقهم في شتى المعاوضات، أو بخسهم حق الفقراء في أموال الأغنياء.

ولقد جاء خطاب العقلاء من قومه، فنصحوه بالقصد والاعتدال، وحذروه من الفرح الذي يؤدي بصاحبه إلى نسيان المنعم سبحانه، فكان رد قارون جملة واحدة تحمل شتى معاني الفساد وطمس الفطرة: “قَالَ إِنمَا أوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي” (القصص: 78) لقد أنساه غروره مصدر النعمة وحكمتها، ومن هنا وقع في فتنه المال والثراء، فلم يستمع قارون لنداء قومه.

وخرج قارون ذات يوم على قومه بكامل زينته، فطارت قلوب بعض القوم، وتمنوا أن لديهم مثل ما أوتي قارون، وأحسوا أنه في نعمة كبيرة، فرد عليهم من سمعهم من أهل العلم والإيمان: ويلكم أيها المخدوعون، احذروا الفتنة، واتقوا الله، واعلموا أن ثواب الله خير من هذه الزينة، فتلك زينة وليست قيمة!

إن الاغترار بالمال، هو بداية الفتنة والطمس، الذي ينتهي بانعدام البصيرة.

الفرح المدمر



إن لهذه القصة معاني مهمة سنحاول تتبعها من خلال “ظلال القرآن: إن الفرح المنهي عنه هو فرح الزهو المنبعث من الاعتزاز بالمال والاحتفال بالثراء والتعلق بالكنوز والابتهاج بالملك والاستحواذ، وهو فرح البطر الذي يُنسي المنعم بالمال، ويُنسي نعمته وما يجب لها من الحمد والشكران، وهو فرح الذي يستخفه المال، فيشغل به قلبه، ويطير له لُبه، فيتطاول على العباد.

فهو نهي عن فرح مدمر لصاحبه، مهلك له، لا لأن الله لا يحب مثل هذا الفرح، ثم ينطلق هؤلاء الدعاة الناصحون له لرسم المنهج الإلهي القويم في هذا المال، فهم إذاً يقدمون له بديلاً من سياسته المهلكة في المال، وهو بديل يعلق قلب صاحب المال بالآخرة، ولا يحرمه أن يأخذ بقسط من المتعة في هذه الحياة، بل يحضه على هذا، ويكلفه إياه تكليفاً، كي لا يتزهد الزهد الذي يهمل الحياة ويضعفها. والمتاع هنا الذي يكلف به صاحب المال بأخذ قسطه منه هو لون من ألوان الشكر للنعم، وتقبل لعطاياه، وانتفاع بها، فهو طاعة من الطاعات يجزى عليها بالحسنى، ومن ثم يتحقق التعادل والتناسق في حياة الإنسان الطبيعية المتعادلة التي لا حرمان فيها ولا إهدار لمقومات الحياة الفطرية البسيطة. ثم ترجع الفضل لله سبحانه الرازق المنعم حين تطلب إليه “وأحسن كما أحسن الله إليك” لتخفف بتلك المرجعية للمال من ثقل الإنفاق.

إن التوسعة على الآخرين حتى وإن كانت في الأجور تقلل نسب هوامش الأرباح التي اعتادها الأغنياء المفتونون، ولذا يستأثرون بكل ربح، ضاربين عُرض الحائظ بحاجات من حولهم، ممن يجدون في إنماء تلك الأموال، وعلى العكس من ذلك يكون المسلم الثري أو الغني، فهو يرى أنه مستخلف في ماله، يضعه حيث يكون الخير والبر، وحيث يكون رفع الحرج عن المحتاج، فهو يسلك في ماله مسلكاً رشيداً، من سخاء النفس، وطيب الخاطر، واضعاً نصب عينيه دعاء الملائكة بظهر الغيب: “اللهم أعط منفقاً خلفاً، اللهم أعط ممسكاً تلفاً”.

ومن صور البغي الحديثة استغلال الأغنياء حاجة الفقراء والعاملين، والتعاقد معهم على العمل بأجور متدنية لا تكفي أعباء المعيشة، وكلما ارتفعت الأسعار واشتدت حاجة الناس للمال، زاد بغي الأغنياء سواء كانوا دولاً أو شركات أو أفرادا وقللوا من رواتب الناس، وقد يتعاقد أحدهم على راتب ويظل يعمل به لمدة عشرين عاماً!

وبديهي أنه كلما زاد البغي، تفجر الحقد في النفوس، وقد تترتب على هذا البغي أمراض خطيرة فتتفكك العلاقات وتضيع القيم وكل ذلك ببغي الأغنياء بأموالهم وسلطانهم.

وعندما تبلغ فتنة المال ذروتها، وتتهافت أمامها النفوس وتتهاوى، تتدخل القدرة الإلهية لتضع حدا للفتنة، وترحم الناس الضعاف من إغرائها، وتحطم الغرور والكبرياء، فيجيء العقاب حاسما “فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ” (القصص: 81) وفي لمحة خاطفة ابتلعته الأرض وابتلعت داره، وذهب ضعيفا عاجزا، لا ينصره أحد، ولا ينتصر بجاه أو مال، وتلك هي نهاية فتنة الثراء الطاغي، أعني نهاية السراب الخادع.

منقول...

    رد مع اقتباس مشاركة محذوفة