موقع الشيخ بن باز

 

  لتحميل حلقة الرقية الشرعية للشيخ أبو البراء اضغط هنا

سيتم فتح ساحات الأسئلة والحالات الخاصة أمام مشاركات الأعضاء في أيام السبت والاثنين والاربعاء من الساعة 7 - 10 مساء بتوقيت مكة المكرمة >><< تم فتح قسم الحجامة والطب البديل والعلاج بالأعشاب بشكل دائم .

 
العودة   منتدى الرقية الشرعية > أقسام المنابر الإسلامية > منبر علوم القرآن و الحديث

الملاحظات

إضافة رد
 
 
أدوات الموضوع
New Page 2
 
 

قديم 19-05-2006, 11:17 AM   #1
معلومات العضو
عمر بن الخطاب

Question سؤال عن صحة الحديث : ( ان الابل خلقت من الشياطين ... ) ؟؟؟

بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على اشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين
بعد اخوتى السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اعلموا انى احبكم فى الله

ارجوا منكم ان تفيضوا مما افاض الله عليكم به من علمه وتفيدونا بصحة الحديث الذى جاء فيه "" ان الابل خلقت من الشياطين وان وراء كل بعير شيطانا ""
وشكرا

    رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
New Page 2
 
 

قديم 26-05-2006, 12:55 PM   #2
معلومات العضو
عمر بن الخطاب

افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم
اخوتى اين اهل العلم
لقد احترت فى بحثى عن هذا الحديث على الانترنت
فهل احد لديه معلومة عن هذا الحيث الذى ورد فى احد كتب الاخوة المعالجين بالقران
وشكرا

    رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
New Page 2
 
 

قديم 26-05-2006, 01:16 PM   #3
معلومات العضو
مسك الختام
اشراقة ادارة متجددة

افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو البراء
   عن حمزة بن عمرو الأسلمي - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( على ظهر كل بعير شيطان ، فإذا ركبتموها فسموا الله ثم لا تقصروا عن حاجاتكم ) ( صحيح الجامع 4031 ) 0

قال المناوي : ( قال في البحر : إن معناه أن الإبل خلقت من الجن وإذا كانت من جنس الجن جاز كونها هي من مراكبها والشيطان من الجن قال تعالى : ( إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنْ الْجِنِّ ) ( سورة الكهف – الآية 50 ) فهما من جنس واحد ويجوز كون الخبر بمعنى العز والفخر والكبر والعجب لأنها من أجل أموال العرب ومن كثرت عنده لم يؤمن عليه الإعجاب والعجب سبب الكبر وهو صفة الشيطان فالمعنى على ظهر كل بعير سبب يتولد منه الكبر ) ( فيض القدير - 4 / 322 ) 0 0


وللمزيد اطلع على الفقرة السادسة من هذا الرابط ...
http://www.ruqya.net/forum/showthread.php?t=846

نشكرك على هذه التساؤلات التي تحثنا على البحث والإطلاع ...

التعديل الأخير تم بواسطة مسك الختام ; 26-05-2006 الساعة 01:35 PM.
    رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
New Page 2
 
 

قديم 26-05-2006, 09:34 PM   #5
معلومات العضو
أبو البراء

لموقع ومنتدى الرقية الشرعية - مؤلف ( الموسوعة الشرعية في علم الرقى )
 
الصورة الرمزية أبو البراء
 

 

افتراضي




بارك الله فيكم أخيتي الفاضلة ومشرفتنا القديرة ( مسك الختام ) ، والشكر موصول لأخونا الحبيب ( عمر بن الخطاب ) ، زادكم الله من فضله ومنه وكرمه ، مع تمنياتي لكم بالصحة والسلامة والعافية :

أخوكم / أبو البراء أسامة بن ياسين المعاني 0
    رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
New Page 2
 
 

قديم 29-05-2006, 10:04 PM   #6
معلومات العضو
عمر بن الخطاب

افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم
شكرا اختى فى الله مسك الختام بارك الله فيك على بحثك فقد رفعتى عنى عناء كثيرا
ولكن لى هنا تسأل ( ارجوا من الجميع ان يفسحوا لى من سعة الصدور حتى اتعلم من علمهم )
1- لو افترضنا ان اصل الابل اصلها الجن والشيطان ؟ كيف يحل لنا اكل لحومها بل وشرب بولها حليبها كدواء؟؟؟؟؟؟؟؟
2- لو افترضنا ان اصلها الجن والشياطين افلا تكون هناك بعض صفات الجن والشياطين التى يجب ان تكون ما زالت فى الابل ؟ فيا ترى هل هناك صفات معينه فى الابل هى ذاتها للجن والشياطين وما هى ؟؟؟؟؟
4- لو افترضنا ان اصلها الجن والشياطين اليس هذا يسهل لغة التفاهم والتخاطب بينهما بل وسهولة سيطرة الجن والشياطين علي الابل ؟؟؟ فهل هذا حادث فعلا؟؟؟
5- اخبرنا الرسول ان الكلب الاسود يقطع الصلاة لانه شيطان؟ فهل تقطع الابل الصلاة لان اصلها من الجن ؟ وهل ورد حديث فى مثل هذا
6- امرنا الرسول ان نستعيذ من الشيطان عندما نسمع نهيق الحمار لماذا ؟؟ لانه رأى شيطان ؟ فهل ترى الابل الشيطان والجن وهى الاقرب حيث انها خلقت منهم ام لا ؟؟

    رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
New Page 2
 
 

قديم 30-05-2006, 12:12 AM   #7
معلومات العضو
أبو فهد
موقوف

افتراضي

_____________________________________

... بسم الله الرحمن الرحيم ...

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بارك الله فيكم جميعا وجزآكم الله خيرا
أخي الحبيب الكريم
أعتقد أنك تجد الإجابة التي تريدها في التحويل الذي تم لكم في هذا الرابط
من قبل أخي الكريم
( ابن تيميه )
فضلا نأمل منكم تزويدنا بما تتوصلون إليه
هذا رأيي ولا ألزم به أحدا
والدعاء والشكر موصول لأخي الكريم
( ابن تيميه )

http://www.ruqya.net/forum/showthrea...5385#post35385

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

... معالج متمرس ...
_____________________________________
    رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
New Page 2
 
 

قديم 12-06-2006, 09:03 PM   #8
معلومات العضو
مسك الختام
اشراقة ادارة متجددة

افتراضي

أخي الفاضل : عمر بن الخطاب


نهى صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في معاطن الإبل وأذن بها في مرابض الغنم
قال أبو هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "صلوا في مرابض الغنم, ولا تصلوا في أعطان الإبل" رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

وروى الإمام أحمد من حديث عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم "صلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل, أو مبارك الإبل".

وفي المسند أيضا, من حديث عبد الله بن المغفل قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم "صلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل, فإنها خلقت من الشياطين".

فعلم أن ذلك ليس لنجاسة الأبعار بل لأنها مأوى الشياطين كما قال صلى الله عليه وسلم " { إن الإبل خلقت من جن وإن على ذروة كل بعير شيطانا } وقال " { الفخر والخيلاء في الفدادين أصحاب الإبل والسكينة في أهل الغنم } .

كما أمر بالتوضؤ من لحوم الإبل مع ترخصه في ترك الوضوء من لحوم الغنم ... عن البراء بن عازب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : توضئوا من لحوم الإبل ولا توضئوا من لحوم الغنم .

وذلك لما في الإبل من شيطنة فأمر بالتوضؤ من لحمها ليذهب تلك الشيطنة .

«»«»«»«»«»«»«»«»«»«»«»«»«»«»

جاء في كتاب شرح العمدة، الجزء 1، صفحة 331.

أنه أمر بالتوضىء من لحمها مع نهيه عن الصلاة في مباركها في سياق واحد مع ترخصه في ترك الوضوء من لحم الغنم وإذنه في الصلاة في مرابضها وذلك اختصاص الإبل بوصف قابلت به الغنم استوجبت لأجله فعل التوضوء وترك الصلاة وهذا الحكم باق ثابت في الصلاة فكذلك يجب أن يكون في الوضوء

وسابعها أنه قد أشار صلى الله عليه وسلم في الإبل إلى أنها من الشياطين
يريد والله أعلم أنها من جنس الشياطين ونوعهم فإن كل عات متمرد شيطان من أي الدواب كان كالكلب الأسود شيطان والإبل شياطين الأنعام كما للإنس شياطين وسجن شياطين

ولهذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما أروكبوه برذونا فجعل يهملج به فقال : " إنما أركبوني شيطانا " والتجالس والاجتماع
ولذلك كان على كل ذروة بعير شيطان ، والغنم هي من السكينة والسكينة من أخلاق الملائكة
فلعل الإنسان إذا أكل لحم الإبل أورثته نفارا وشماسا وحالا شبيها بحال الشيطان
والشيطان خلق من النار وإنما تطفى النار بالماء
فأمر بالوضوء من لحومها كسرا لتلك الصورة وقمعا لتلك الحال وهذا لأن قلب الإنسان وخلقه يتغير .

«»«»«»«»«»«»«»«»«»«»«»«»«»«»

وفي حديث طويل يدلل د.سلمان العودة على أن بول ما يؤكل لحمه وروثه من الحيوانات والطيور طاهر

وهنا ينقل الرأي المعارض ويرد عليه فيقول :

نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة في معاطن الإبل انظر ما أخرجه مسلم (360) عن جابر – رضي الله عنه - وهذا يدل على نجاستها، وإلا لما نهى عنه.

والجواب على هذا يقابل بإذنه - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة في مرابض الغنم، انظر ما رواه مسلم (360)

فيقال: إن العلة ليست النجاسة، ولو كانت العلة هي النجاسة لم يكن هناك فرق بين الإبل والغنم، ولكن العلة شيء آخر. فقيل: الحكم تعبدي، أي غير معقول المعنى لنا.

وقيل: إنه يخشى إن صلى في مباركها أن تأوي إلى هذه المبارك، وهو يصلي، وتشوش عليه صلاته؛ لكبر جسمها.

وقيل: إن الإبل خلقت من الشياطين، كما جاء في الحديث الذي رواه ابن ماجة (769)، وأحمد (20541) وانظر سنن أبي داود (493)

وليس معناه أن مادة خلقها من الشياطين، ولكن من طبيعتها الشيطنة، فهو كقوله – تعالى - : ] خلق الإنسان من عجل[ الآية، [الأنبياء : 21]

يعني: طبيعته هكذا، ولذلك شرع لنا الوضوء من لحمها بخلاف غيرها، وقد ورد في بعض الأحاديث، وفيها ضعف: أن " على ظهر بعير شيطاناً " رواه أحمد (16039) والدارمي (2709).

فيكون مأوى الإبل ومعاطنها مأوى للشياطين، فهو يشبه النهي عن الصلاة في الحمام، انظر ما رواه الترمذي (346) وابن ماجة (746)؛ لأن الحمامات بيوت الشياطين،

ثم إنه قد أذن في شرب أبوالها، انظر ما رواه البخاري (233)، ومسلم (1671)، وهو أغلظ من الصلاة في مباركها، فلا يكون في هذا دليل على نجاسة ما يؤكل لحمه.

وأما حديث جابر والبراء – رضي الله عنهما - مرفوعاً : "لا بأس ببول ما أكل لحمه" فقد أخرجهما الدارقطني (1 /128)، والبيهقي (1/ 252).

فهذان الحديثان ضعيفان، ضعفهما الدارقطني، والنووي، وغيرهما.

القول الثاني في المسألة : أن بول ما يؤكل لحمه وروثه من الحيوانات والطيور طاهر ، وهو مذهب المالكية والحنابلة.

واستدلوا بأن الأصل في الأشياء الطهارة حتى يأتي دليل من الكتاب، أو السنة، أو الإجماع على نجاستها، ومن ادعى النجاسة فعليه الدليل، خاصة ونحن نعلم أن الصحابة - رضي الله عنهم - كانوا أصحاب إبل وغنم، فالحاجة داعية إلى بيان حكمها لو كانت نجسة.

الدليل الثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أذن في الصلاة في مرابض الغنم أخرجه مسلم (360) عن جابر بن سمرة – رضي الله عنه - ومرابض الغنم لا تخلو من بولها وروثها.

الدليل الثالث: كون النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر العرنيين أن يلحقوا بإبل الصدقة، ويشربوا من أبوالها وألبانها ولم يأمرهم بغسل الأواني منها.
انظر ما أخرجه البخاري (6802)، ومسلم (1671).

ولو كانت نجسة ما أذن لهم بالشرب، ولأمرهم بغسل الأواني منها، خاصة وأنه قد ورد في الحديث:" إن الله لم يجعل شفاءكم في حرام " أخرجه ابن حبان (1391)، والبيهقي (10/5)، وأبو يعلى (6966)، والطبراني في (الكبير 23 / رقم 749) من حديث أم سلمة – رضي الله عنها - .

وقال في الخمر:" إنه ليس بدواء ولكنه داء" أخرجه مسلم (1984) عن وائل الحضرمي ، وسائر المحرمات مثلها قياساً.

الدليل الرابع : طوافه - صلى الله عليه وسلم - على بعيره، وأمره أم سلمة – رضي الله عنها - بذلك ، وكانت شاكية كما في الصحيحين من حديث عبد الله بن عباس – رضي الله عنهما - البخاري (1607)، ومسلم (1272) .

الدليل الخامس :عدم الدليل على نجاسة أرواثها وأبوالها ، وإنما ورد الدليل في نجاسة ما يخرج من الإنسان .
وهذا هو القول الراجح الذي تشهد له الأدلة ، وقد اختاره ابن تيمية (21/542)، ونصره من وجوه كثيرة، بل صنف فيه كتاباً مستقلاً، والله أعلم .

http://www.islamtoday.net/pen/show_q...nt.cfm?id=3289

التعديل الأخير تم بواسطة مسك الختام ; 13-06-2006 الساعة 09:33 AM.
    رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
New Page 2
 
 

قديم 12-06-2006, 10:45 PM   #9
معلومات العضو
مسك الختام
اشراقة ادارة متجددة

افتراضي

بحث مفيد :

حكم نقض الوضوء بأكل لحم الإبل

د / علي بن محمد الأخضر العربي

«»«»«»«»«»«»«»«»«»«»«»«»«»«»

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين ، قائد الغر المحجلين، وبعد فهذا بحث عن حكم ( نقض الوضوء بأكل لحم الإبل ) ، جمعت فيه آراء الفقهاء في هذه المسألة ، وكذلك أدلتهم ومناقشاتهم وردودهم بغية الوصول إلى القول الراجح.

وتنبع أهمية الموضوع من أن الوضوء الطهور ، ( والطهور شـطر الإيمان ) كما قال المصطفى عليه الصلاة والسلام ([1]) .

وقد قسمت البحث إلى تمهيد ومبحثين وخاتمة :

التمهيد : في معنى الوضوء والنقض والإبل .

المبحث الأول : في رأي القائلين بالنقض وأدلتهم ، وفيه مطلبان :

المطلب الأول : في رأي القائلين بالنقض .

المطلب الثاني : في أدلة القائلين بالنقض .

المبحث الثاني : في رأي القائلين بعدم النقض وأدلتهم ، وفيه مطلبان :

المطلب الأول : في رأي القائلين بعدم النقض .

المطلب الثاني : في أدلة القائلين بعدم النقض .

الخاتمة : في بيان القول الراجح وأسباب ترجيحه .

وآخراً أرجو من الله العلي القدير أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه ، وأن يعفو عن زلاتنا ، ويجبر تقصيرنا ، إنه على كل شيء قدير ، وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

«»«»«»«»«»«»«»«»«»«»«»«»«»«»

القائلون بالنقض :

ذهب الظاهرية ([15]) ، والحنابلة في المعتمد ([16]) عندهم ، والشافعي في القديم([17]) ، إلى أن أكل لحم الإبل ينقض الوضوء ، وهو قول محمد بن إسحاق([18]) ، وأبي خيثمة زهير بن حرب ([19]) ويحي بن يحي النيسابوري ([20]) ، وإسحاق بن راهويه ([21]) ، واختاره من الشافعية ابن خزيمة ([22])، وأبو ثور ([23]) ، وابن المنذر ([24]) ، والبيهقي ([25]) ، والنووي ([26])، ومن المالكية ابن العربي ([27]) .

قال الإمام الخطابي في معالم السنن ([28]) ( .. ذهب عامة أصحاب الحديث إلى إيجاب الوضوء من أكل لحم الإبل ) .

أدلة القائلين بالنقض :

الدليل الأول :

ما أخرجه الإمام مسلم ([29]) – وغيره ([30]) – في صحيحه بسنده عن جابر بن سمرة ( أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أ أتوضأ من لحم
الغنم ؟ قال: إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا توضأ ، قال : أتوضأ من لحم
الإبل ؟ قال : نعم فتوضأ من لحم الإبل ، قال أصلي في مرابض الغنم ؟ قال : نعم ، قال أصلي في مبارك الإبل ؟ قال : لا ) .

الدليل الثاني :

ما أخرجه الإمام أبو داود ([31]) – وغيره ([32]) – في سننه بسنده عن البراء بن عازب قال: ( سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوضوء من لحم
الإبل ، فقال: توضؤوا منها ، وسئل عن لحم الغنم فقال : لا تتوضؤوا منها ، وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل ، فقال : لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها من الشياطين ، وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم فقال: صلوا فيها ، فإنها بركة ).

درجة الحديثين : هذان الحديثان صحيحان كما نص على ذلك أهل العلم بالحديث وإليك بعض أقوالهم .

1 – قال الإمام أحمد بن حنبل : ( فيه حديثان صحيحان ، حديث البراء وحديث جابر بن سمرة )([33]) .

2 – قال الإمام إسحاق بن راهويه : ( صح في هذا الباب حديثان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث البراء وحديث جابر بن سمرة )([34]).

3 – قال الإمام أبو بكر محمد خزيمة في صحيحه([35]) عقب حديث جابر بن سمرة :

( لم نر خلافاً بين علماء أهل الحديث أن هذا الخبر صحيح من جهة النقل ) ، وقال عقب حديث البراء : ( … ولم نر خلافاً بين علماء أهـل الحديث أن هذا الخبر أيضا صحيح من جهة النقل لعدالة ناقليه ) ([36]).

4 – قال الإمام أبو بكر ابن المنذر في كتابه الأوسط([37]) : ( والوضوء من لحوم الإبل يجب ، لثبوت هذين الحديثين وجودة إسنادهما ) .

5 – قال الإمام البيهقي في معرفة السنن والآثار([38]) : ( .. وقد صح فيه حديثان عند أهل العلم بالحديث : أحدهما جابر ن سمرة …. والحديث الآخر حديث البراء بن عازب ) .

قلت : وقد صحح أحاديث النقض غير هؤلاء الأئمة ابن حبان([39])، والنووي([40])، وابن العربي المالكي([41])، وابن تيمية([42])، وابن القيم([43])، والألباني([44])، وغيرهم .

وجه الدلالة([45]):

إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء من أكل لحوم الإبل ، والأمر يقتضي الوجوب ما لم يصرفه صارف – كما هو مقرر عند عامة الأصوليين([46])- وإنما يجب الوضوء عند الانتقاض .

ونوقش هذا الدليل بالمناقشات التالية :

المناقشة الأولى :

إن الدليل منسوخ بما أخرجه أبو داود في سننه([47]) بسنده عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال كان آخر الأمرين من رسول الله صلي الله عليه وسلم ترك الوضوء مما غيرت النار).

قال الإمام الطحاوي في شرح معاني الآثار([48]) :

( … وقد روينا في الباب الأول في حديث جابر أن آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما غيرت النار ، فإذا كان ما تقدم منه هو الوضوء مما مست النار، وفي ذلك لحوم الإبل وغيرها ، كان في تركه ذلك ترك الوضوء من لحوم الإبل ) .

وقال الإمام النووي في المجموع([49]) :

( وأجاب الأصحاب عن حديث جابر بن سمرة والبراء بجوابين أحدهما أن النسخ بحديث جابر كان آخر الأمرين …) .

وقال ابن قاسم في حاشيته على تحفة المحتاج([50]) :

( … الجواب الشـافي وهو جواب الأصحاب بنسخهما بحديث جابر وكان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما غيرت النار ) .

وقال في المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود([51]) :

( … وأقوى أجوبة القائلين بعدم النقض الجواب بالنسخ …) .

وردت هذه المناقشة بالآتي :

الرد الأول : إن النسخ في أصل المسألة ( نسخ الوضوء مما غيرت النار ) غير مسلم به ، يقول العلامة ابن القيم في كتابه أعلام الموقعين([52]) :

( … أُمِرْنا بالوضوء مما مست النار إما إيجاباً منسوخاً وإما استحباباً غير منسوخ ، وهذا الثاني أظهر لوجوه منها : أن النسخ لا يصار إليه إلا عند تعذر الجمع بين الحديثين ، ومنها أن رواة أحاديث الوضوء بعضهم متأخر الإسلام كأبي هريرة ، ومنها أن المعنى الذي أمرنا الوضوء لأجله منها هو اكتسابها من القوة النارية وهي مادة الشيطان التي خلق منها والنار تطفأ بالماء ، وهذا المعني موجود فيها ، وقد ظهر اعتبار نظيره في الأمر بالوضوء من الغضب، ومنها أن أكثر ما مع من ادعى النسخ أنه ثبت في أحاديث صحيحة كثيرة أنه صلى الله عليه وسلم أكل مما مست النار ولم يتوضأ ، وهذا إنما يدل على عدم وجوب الوضوء لا على عدم استحبابه ، فلا تنافي بين أمره وفعله ، وبالجملة فالنسخ إنما يصار إليه عند التنافي ، وتحقق التاريخ ، وكلاهما منتف ) .

الرد الثاني : إن النسخ لا يتحقق عند العلماء إلا بشروط من أهمها تحقق تأخر الناسخ عن المنسوخ ، وتعارض الناسخ مع المنسوخ ، وهذان الشرطان غير متحققين في مسألتنا .

أما الشرط الأول وهو تأخر الناسخ عن المنسوخ فهو غير متحقق للآتي :

1 - لم يأت دعاة النسخ بدليل على تأخر حديث جابر بن عبدالله
( كان آخر الأمرين …) عن حديث جابر بن سمرة وغيره ( توضؤوا من لحم الإبل …) … فهل يثبت تأخر الناسخ عن المنسوخ بمجرد الدعوى ؟ .

2 - إن الدليل المدعى نسخه نفسه يدل على عدم صحة الدعوى ، يوضح ذلك الإمام ابن قدامة في المغني([53]) بقوله :

( الأمر بالوضوء من لحوم الإبل متأخر عن نسخ الوضوء مما مست النار أو مقارن له بدليل أنه قرن الأمر بالوضوء من لحم الإبل بالنهي عن الوضوء من لحوم الغنم وهي مما مست النار ، فإما أن يكون النسخ حصل بهذا النهي ، وإما أن يكون بشيء قبله ، فإن كان به والأمر بالوضوء من لحوم الإبل مقارن لنسخ الوضوء مما غيرت النار ، فكيف يجوز أن يكون منسوخاً به ؟ ومن شروط النسخ تأخر الناسخ، وإن كان الناسخ قبله لم يجز أن ينسخ بما قبله ) .

وأجيب باحتمال أن يكون حديث جابر بن سمرة رضي الله عنهما جاء أولاً فأمروا بالوضوء من لحوم الإبل ثم أمروا بعد ذلك بالوضوء مما مسته عموماً ثم نسخ ذلك بحديث جابر بن عبدالله رضي الله عنه وما شابهه([54]) .

ورد بأن النسخ لا يبنى على الاحتمالات بل من شروطه كما ذكرنا العلم بتأخر الناسخ عن المنسوخ .

وأما الشرط الثاني وهو التعارض بين الناسخ والمنسوخ فغير متحقق للآتي :

أولاً : إن الدليل المدعى فيه النسخ ( توضؤوا من لحوم الإبل …) يقرر نفس ما يقرره الدليل الناسخ – عندكم – وهو أن الوضوء مما مست النار غير واجب ، وذلك لأن في حديث الوضوء من لحم الإبل ( وسئل عن لحوم الغنم فقال : لا تتوضؤوا منها ) وفي الرواية الأخرى ( أأتوضأ من لحوم الغنم ؟ قال : إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا توضأ ) .

أما إيجاب الوضوء من لحم الإبل فهذا أمر آخر لا يتعلق بأكل ما مست النـار بل هو متعلق بذات لحم الإبل وعينه ، فالحديث علق الوجوب بذات لحم الإبل ( أتوضأ من لحوم الإبل ؟ قال : نعم فتوضأ من لحوم الإبل ) أي أن الحديث جعل أكل لحم الإبل ذاته سبباً في إيجاب الوضوء ، ولذلك فإنه ينقض الوضوء مطبوخاً (مسته النار) ونيئاً ( لم تمسه النار ) . ([55])

ورد بأن الأمر بالوضوء من لحوم الإبل محمول على أكله مطبوخاً – ما غيرته النار – لأنه الغالب المعهود([56])، والوضوء مما غيرته النار منسوخ كما ذكرنا .

وأما قولكم إن لحم الإبل هو الموجب للوضوء سواء غيرته النار أم لم تغيره فلا يسلم به لأنه يلزم منه أن يجعل الدليل شاملاً للأكل والمس أيضاً ، فلحم الإبل كما أنه غير مقيد بكونه مطبوخاً فانه غير مقيد بالأكل ، فإذا جعلتموه شاملاً للمطبوخ والنيء لزم أن تجعلوه شاملاً للأكل والمس ، ولم يقل أحد بنقض الوضوء من مس لحم الإبل([57]).

وأجيب بالآتي :

1 - إن الدليل جاء بصيغة العموم (فتوضأ من لحوم الإبل) إذ هو جمع أضيف إلى معرفة([58]) ، وهذا يقتضي أن يعم كل لحم للإبل سواء كان مطبوخاً أو غير مطبوخ .

2- إذا سلمنا أن الغالب المعهود في أكل لحم الإبل أن يكون مطبوخاً فان سياق الدليل اشتمل على قرينة تخرجه عن الغالب المعهود ، ألا وهي أن لحم الغنم مثل لحم الإبل ، أي أن الغالب المعهود في أكله أن يكون مطبوخاً ، وقد رأينا النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بالوضوء من لحم الإبل ولم يأمر به من لحم الغنم فكان هذا قرينة على أن سبب الأمر بالوضوء من لحم الإبل هو ذات اللحم وعينه لا كونه مطبوخاً مسته النار وإلا لكان هو ولحم الغنم سواء في الحكم لاشتراكهما في مسيس النار .

3 - الإلزام بجعل الدليل شاملاً للمس كما هو شامل للأكل بحجة أنه غير مقيد بالأكل قياساً على جعله شاملاً للنيء والمطبوخ بحجة أنه غير مقيد بالطبخ غير مسلم به لأمرين .

أ – ما تقرر في الأصول([59]) من أن الأعيان لا توصف بالحل والحرمة والوجوب .. وإنما يوصف الفعل المتعلق بها ، فإذا وصفت بذلك أضيف الوصف إلى الفعل المتعلق بها عادة وعرفاً ، كما قي قوله تعالى } حرمت عليكم أمهاتكم { ([60]) أي حرم عليكم نكاحهن ، وقوله تعالى } حرمت عليكم الميتة { ([61]) أي حرم عليكم أكلها، وهكذا .

والفعل المتعلق بإيجاب الوضوء من اللحم عادة وعرفاً هو الأكل لا اللمس أو غيره ، وهذا ما فهمه عامة علماء المسلمين من الدليل فاختلفوا بين قائل بالنقض من أكل لحم الإبل وقائل بعدم النقض من الأكل لا غيره من اللمس والنظر ونحوه ، وهذا ما فهمه عامة الصحـابة والمسلمين من حديث ( توضؤوا مما مست النار ) ([62]) فاختلفوا بين قائل بالنقض من أكل ما مسته النار وبين قائل بعدم النقض من أكل ما مسته النار([63]).

ب- إننا لم نجعل لحم الإبل شاملاً للنيء والمطبوخ لمجرد أنه غير مقيد بالطبخ كما تقررون بل لما سبق ذكره من العموم والقرينة .

ثانيا : إن الدليل الناسخ – حسب دعواكم – من باب الفعل النبوي([64])، وقد اختلف الأصوليون في حكاية الصحابي لفعل النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ ظاهره العموم هل تفيد العموم أو لا تفيده ؟ على قولين رئيسين :

الأول : تفيد العموم([65]) .

الثاني : لا تفيد العموم([66]) .

قلت : وعلى أي من هذين القولين فإن التعارض الذي يحوج إلى القول بالنسخ منتف ، وإليك تفصيل ذلك .

القول الأول ( إفادة العموم )

قال الشيخ محمود السبكي عند شرحه لحديث جابر رضي الله عنه ( كان آخر الأمرين .. ) في كتابه المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود([67]) .

( .. ولما كان لحم الإبل فرداً مما مسته النار وقد نسخ وجوب الوضوء منه بجميع أفراده فاستلزم نسخ وجوبه من لحم الإبل ، فما قاله النووي([68]) من أن هذا الحديث عام وحديث الوضوء من لحم الإبل خاص ، والخاص مقدم على العام مندفع بأنا لا نسلم أن نسخه لكونه خاصاً ، بل لأنه فرد من أفراد العام الذي نسخ ، وإذا نسخ العام الذي هو وجوب الوضوء مما مست النار نسخ كل فرد من أفراده ومنه لحم الإبل …) .

وأجيب بأنه لا تعارض من وجهين :

1- إن الأمر بالوضوء من لحم الإبل لذاته وليس لأنه من مما مسته النار ولذا ينقض مطبوخاً ونيئاً كما بينا سابقاً .

يقول الإمام ابن قدامه في المغني([69]) :

( إن أكل لحوم الإبل إنما نقض لكونه من لحوم الإبل لا لكونه مما مست النار ، ولهذا ينقض وإن كان نيئاً ، فنسخ إحدى الجهتين لا يثبت به نسخ الجهة الأخرى ، كما لو حرمت المرأة للرضاع ولكونها ربيبة ، فنسخ التحريم بالرضاع لم يكن نسخاً لتحريم الربيبة ) .

2- لو سلمنا جدلاً بأن الأمر بالوضوء من أكل لحم الإبل لكونه مما مسته النار ، وسلمنا بالعموم في حديث جابر بن عبدالله رصي الله عنه فإنه لا تعارض يحوج إلى النسخ بل الجمع ممكن لأن دليلكم عام ودليل النقض بلحم الإبل خاص ، والخاص يقدم على العام سواء كان قبله أو بعده([70]) على رأي جمهور الأصوليين([71]) .

قلت : أما ما قاله صاحب المنهل العذب المورود في تعقيبه السابق على الإمام النووي من أن نسخ الوضوء بأكل لحم الإبل ليس لكونه خاصاً بل لكونه فرداً من أفراد العام الذي نسخ فكلام غريب حقاً لأن التخصيص كما يقرر الأصوليون([72]) هو إخراج بعض ما كان داخلاً تحت العموم على تقدير عدم المخصص ، أو بيان أن بعض مدلول اللفظ غير مراد بالحكم .

وهذا يقتضي إخراج لحم الإبل من أفراد العام ( ما مسته النار ) الذي حكم فيه بعدم النقض .

القول الثاني ( عدم إفادة العموم )

قال العلامة ابن القاسم في حاشيته([73]) على تحفة المحتاج - معلقاً على قول صاحب التحفة([74]) عندما اعترض على أصحابه الشافعية القائلين بعدم النقض فقال : ( ونوزعوا بأن فيه حديثين صحيحين ليس عنهما جواب شاف ) - :

( أقول هذا ممنوع بل عنهما الجواب الشافي وهو جواب الأصحاب بنسخهما بحديث جابر وكان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما غيرت النار ، وأما اعتراض النووي عليه بأن هذا الجواب ضعيف أمر باطل لأن حديث ترك الوضوء مما مسته النار عام وحديث الوضوء من لحم الجزور خاص والخاص مقدم على العام تقدم أو تأخر اه* ، فهو اعتراض باطل فإن هذين الحديثين ليسا من العام والخاص اللذين يقدم منهما الخاص مطلقاً ، إذ عبارة جابر لم يحكها النبي صلى الله عليه وسلم حتى يكونا من ذلك ، وإنما هي من عند نفسه بين بها ما عرفه من حال النبي صلى الله عليه وسلم وما استقر عليه أمره وذلك صريح في النسخ واطلاعه على تركه عليه الصلاة والسلام الوضوء مما غيرت النار مطلقاً ، وهذا في غاية الوضوح
للمتأمل ، فجواب الأصحاب في غاية الاستقامة والظهور ) .

وأجيب بالآتي :

1- لو سلمنا جدلاً أن حديث جابر بن عبدالله صريح في النسخ فإنما هو نسخ للوضوء من أكل ما مسته النار ، وقد ذكرنا سابقاً أن الوضوء من أكل لحم الإبل لذاته لا لكونه مما مسته النار ، وهذا ظاهر لأن حديث الأمر بالوضوء من أكل لحم الإبل تضمن عدم وجوب الوضوء من أكل لحم الغنم و ےهو مما مسته النار .

2- إنه ليس في حديث جابر بن عبدالله ما يدل على نسخ الوضوء مما مسته النار صراحة كما تدعون ، بل هو قضية عين وحكاية لفعل النبي صلى الله عليه وسلم أنه ترك في آخر الأمر الوضوء مما مسته النار ، وكل ما تدل عليه أن أكل ما مسته النار لا يوجب الوضوء([75]).

يوضح ما قلناه ما ذكره ابن أبي حاتم في كتابه علل الحديث([76]) حيث قال :

( سألت أبي عن حديث رواه على بن عياش عن شعيب بن أبي حمزة عن محمد بن المنكدر عن جابر قال : كان آخر الأمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار ، فسمعت أبي يقول : هذا حديث مضطرب المتن ، إنما هو أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل كتفاً ولم يتوضأ ، وكذا رواه الثقات عن ابن المنكدر عن جابر ، ويحتمل أن يكون شعيب حدث به من حفظه فوهم فيه ) .

وقد فصل ابن حبان في صحيحه القول في هذا فقال ([77]) بعد ذكر حديث شعيب بن أبي حمزة السابق :

( هذا خبر مختصر من حديث طويل اختصره شعيب ابن أبي حمزة متوهماً لنسخ إيجاب الوضوء مما مست النار مطلقاً ، وإنما هو نسخ لإيجاب الوضوء مما مست النار خلا لحم الجزور فقط ) .

ثم عنون ابن حبان بعد ذلك بقوله ([78]) :

( ذكر الخبر المقتضي للفظة المختصرة التي ذكرناها :

]1132[ أخبرنا عبدالله بن محمد الأزدي قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال أخبرنا أبو علقمة ([79]) عبدالله بن محمد بن عبدالله بن أبي فروة المديني ، قال : حدثني محمد بن المنكدر عن جابر قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل طعاماً مما مست النار ثم صلى قبل أن يتوضا ، ثم رأيت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل طعاماً مما مسته النار ثم صلى قبل أن يتوضأ)

ثم عنون ابن حبان بعد ذلك في صحيحه([80]) فقال :

( ذكر البيان بأن هذا الطعام الذي لم يتوضأ صلى الله عليه وسلم من أكله كان لحم شاة لا لحم إبل .

]1134[ أخبرنا عمر بن محمد الهمداني ، قال حدثنا الحسن بن خزعة ، قال حدثنا محمد بن عبدالرحمن الطفاوي ، قال : حدثنا أيوب([81]) عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبدالله قال : دعت امرأة من الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم على شاة فأكل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، فحضرت الصلاة فتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم عاد إلى بقيتها فأكلوا ، فحضرت العصر فلم يتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم …

الرد الثالث : إن القرائن التي تحف بالدليل المدعى نسخه تؤكد عدم النسخ ومن ذلك :

1- إن الدليل أمر بالوضوء من أكل لحم الإبل ولم يأمر به في لحم الغنم مع أنه لا فرق بينهما ، فلو كان هناك نسخ بسبب مس النار لساوى بينهما .([82])

2- إن الدليل يدل على أن أكل ما مسته النار لا ينقض الوضوء حيث خير النبي صلى الله عليه وسلم السائل في الوضوء من لحم الغنم بين الفعل والترك ، وهذا هو نفس ما يدل عليه الدليل الناسخ عندكم ، فكيف يكون دليلنا منسوخاً ؟ .

3- إن الدليل إذا كان منسوخاً لأنه من باب ما مسته النار – كما تقررون – فإن هذا يقتضي أن ينسخ شطر الحديث – عدم الأمر بالوضوء من لحم الغنم – شطره الآخر - الأمر بالوضوء من لحم الإبل – وهذا غير ممكن .

4- إن الدليل أمر بالوضوء من لحم الإبل مع نهيه عن الصلاة في مباركها في سياق واحد مع ترخصه في ترك الوضوء من لحم الغنم وإذنه في الصلاة في مرابضها ، أي أن الإبل اختصت بوصف قابلت به الغنم واستوجبت لأجله فعل التوضؤ وترك الصلاة ، وهذا الحكم باق ثابت في الصلاة فكذلك ينبغي أن يكون في الوضوء([83]) .

المناقشة الثانية :

إن المراد بالوضوء في الدليل غسل اليدين والفم ( الوضوء اللغوي ) ([84]) لما يأتي :

أولا : الجمع بين الأحاديث الدالة على ترك الوضوء مما غيرت النار([85]) وبين دليلكم الذي يأمر بالوضوء من أكل لحم الإبل ، قال العلامة القرافي في الذخيرة([86]) :

( أكل ما مسته النار أو شربه لا يوجب وضوءاً خلافاً لأحمد في لحوم الإبل … لما في الموطأ ([87]) أنه عليه السلام أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ ، وأما الأحاديث الواردة في الوضوء فمحمولة على الوضوء اللغوي جمعاً بين الأحاديث ) .

وأجيب بما سبق من أنه لا تعارض بين دليلنا الذي يوجب الوضوء من أكل لحم الإبل وبين الأدلة الدالة على ترك الوضوء مما مستهالنار – كما بينا ([88]) سابقاً – فلا حاجة للجمع أصلاً .

ثانياً : إن إطلاق الوضوء على غسل اليدين استعمال شائع في عرف الشرع، قال في رأب الصدع ([89]) : ( … حديث جابر بن سمرة والبراء متأولان على معنى النظافة ونفي الزهومة … وذلك استعمال شايع في عرف الشرع .

أقول : ولا يلتفت إلى القول بأن الوضوء في عرف الشرع إنما يطلق على غسل جميع أعضاء الوضوء ، إذ يطلق في عرف الشرع على غسل اليدين ، قال في النهاية ([90]) : الوضوء قد يراد به غسل بعض الأعضاء ) .

ومن الأدلة على هذا الاستعمال([91]) ما يلي :

· ما أخرجه الترمذي في جامعه([92]) بسنده عن عِكْراش بن ذؤيب وفيه ( .. ثم أتينا بماء فغسل رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ومسح ببلل كفيه وجهه وذراعيه ورأسه ، وقال : يا عكراش هذا الوضوء مما غيرت النار ) .

· ما أخرجه البيهقي في سننه([93]) بسنده عن معاذ بن جبل أنه قال :

( ليس الوضوء من الرعاف والقيء ومس الذكر وما مست النار بواجب فقيل له :

إن أناساً يقولون إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : توضؤوا مما مست النار، فقال : إن قوماً سمعوا ولم يعوا ، كنا نسمي غسل اليد والفم وضوءاً وليس بواجب، وإنما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمنين أن يغسلوا أيديهم وأفواههم مما مست النار وليس بواجب ) .

· ما أخرجه الترمذي في جامعه([94]) بسنده عن سلمان الفارسي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده ) .

· ما أخرجه الطبراني في الأوسط بسنده عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الوضوء قبل الطعام وبعده مما ينفي الفقر وهو من سنن المرسلين .([95])

· ما روى عنه صلى الله عليه وسلم من قوله ( توضؤوا من اللبن فإن له دسما ) . ([96])

قلت : وقد بحثت عن هذا الحديث بهذا اللفظ في المصادر الحديثية المتوفرة عندي فلم أجده . ([97])

وأجيب بالآتي :

أ- لا يسلم لكم أن إطلاق الوضوء على غسل اليدين استعمال شائع في عرف الشرع لسببين :

الأول : الأدلة التي سيقت للدلالة على هذا الاستعمال غير ثابتة كما رأينا فلا حجة فيها .

الثاني : حديثا سلمان ومعاذ رضي الله عنهما ليس فيهما ما يدل على
الدعوى ، بل هو استدلال بمكان النزاع ، إذ كيف يفسر فيهما الوضوء الذي جاء مطلقاً أن المقصود به الوضوء اللغوي ؟ .



وحديث الوضوء من اللبن لم يثبت بلفظ الوضوء بل ثبت كما رأينا عند البخاري وغيره بلفظ المضمضة .

وأما حديثا معاذ وعكراش رضي الله عنهما فهما صريحان في تفسير

الوضوء مما مست النار بالوضوء اللغوي ولكنهما – مع ضعفهما سنداً – يخالفان ما ثبت عن جمع من الصحابة([98]) والتابعين وعامة فقهاء الأمة من أن الوضوء مما غيرت النار يقصد به الوضوء الشرعي لا اللغوي . ([99])

قال الحافظ ابن عبدالبر في التمهيد([100]) :

( وذهب بعض من تكلم في تفسير حديث النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن قوله عليه السلام توضؤوا مما مست النار أنه عني به غسل اليد لأن الوضوء مأخوذ من الوضاءة وهي النظافة ، فكأنه قال : فنظفوا أيديكم من غمر([101]) ما مست النار ، ومن دسم ما مست النار، وهذا لا معنى له عند أهل العلم ولو كان كما ظن هذا القائل لكان دسم ما لم تمسه النار، وودك([102]) ما لم تمسه النار لا يتنظف منه ، ولا تغسل منه اليد ، وهذا لا يصح عند ذي لب .

وتأويله هذا يدل على ضعف نظره ، وقلة علمه بما جاء عن السلف في هذه المسألة ) .

ب- إن إطلاق لفظ الوضوء على الوضوء للصلاة في استعمال الشارع هو من باب الحقيقة الشرعية للآتي :

· إنه لفظ استعمل في ما وضع له بوضع الشارع . ([103])

· إنه هو المتبادر إلى الذهن عند الإطلاق ، وهذه علامة
الحقيقة([104]) .



· إن التأويل – وقد أقرَّبه المخالفون – لا يكون إلا على خلاف الأصل ( الوضوء الشرعي ) .

قال الإمام الخطابي في معالم السنن([105]) :

( … وأما عامة الفقهاء فمعني الوضوء عندهم متأول على الوضوء الذي هو النظافة ونفي الزهومة … ) .

وإذا كان الوضوء للصلاة من باب الحقيقة الشرعية فإنه عند الإطلاق يصرف إلى المعنى الشرعي لا اللغوي ما لم يوجد دليل يصرفه إلى المعنى اللغوي([106]).

· ( إنه لا يطلق الوضوء في الشريعة إلا لوضوء الصلاة فقط ، وقد أنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم إيقاع هذه اللفظة على غير الوضوء
للصلاة ، كما رويناه([107]) من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن سعيد بن الحويرث عن ابن عباس قال : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء من الغائط وأتى بطعام ، فقيل: ألا تتوضأ ؟ فقال عليه السلام لم أصلى فأتوضأ ) ([108]) .

ثالثاً- إن النبي عليه السلام لو أراد في الحديث الوضوء للصلاة لقال كما قال([109]): من جامع

ولو يمن فليتوضأ كما يتوضأ للصلاة ويغسل ذكره([110]) .

وأجيب بالآتي :

أ- إن قولكم يقتضي أن ما جاء بلفظ الوضوء في الأحاديث النبوية غير مقيد بهذا القيد فانه لا يحمل على الوضوء الذي للصلاة ( الشرعي ) ، وهذا لا يقول به أحد لأن غالب أحكام الوضوء جاءت في أحاديث مطلقة من القيد السابق .

ب- إن هذا القيد كان منه عليه الصلاة والسلام قبل استقرار وانتشار المعنى الشرعي للوضوء ( في أول الإسلام ) ، يؤكد ذلك ما أخرجه الإمام ابن خزيمة([111]) وغيره بسنده عن أبي بن كعب قال : إن الفتيا التي كانوا يقولون
( الماء من الماء ) رخصة رخصها رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول الإسلام ثم أمر بالغسل بعدها ) .

ج*- ما سبق من أن لفظ الوضوء حقيقة شرعية في الوضوء الذي للصلاة فلا يعدل عنه عند الإطلاق إلا بدليل .

رابعاً- إن النبي صلى الله عليه وسلم ( قال صلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل ، وليس ذلك من أجل أن بين الأمرين فرقاً في باب الطهارة والنجاسة لأن الناس على أحد قولين : أما قائل يرى نجاسة الأبوال كلها ، أو قائل يرى طهارة بول ما يؤكل لحمه، والغنم والإبل سواء عند الفريقين في القضيتين معاً .

وإنما نهى عن الصلاة في مبارك الإبل لأن فيها نفاراً وشراداً لا يؤمن أن تتخبط المصلي إذا صلى بحضرتها أو تفسد عليه صلاته ، وهذا المعنى مأمون من الغنم لما فيها من السكون وقلة النفار ، ومعلوم أن في لحم الإبل من الحرارة وشدة الزهومة ما ليس في لحوم الغنم ، فكان معنى الأمر بالوضوء منه منصرفاً إلى غسل اليد لوجود سببه دون الوضوء الذي هو من أجل رفع الحدث لعدم سببه )([112]) .

ويظهر لنا من هذا الدليل ما يلي :

1- إن النهي عن الصلاة في معاطن الإبل والأمر بها في مرابض الغنم حكم معلل بالسكون في الغنم والنفار في الإبل .

2- إن الأمر بالوضوء من لحم الإبل – في نفس الدليل – معلل مثله ، والعلة فيه شدة الزهومة في لحم الإبل .

3- إن العلة المذكورة – شدة الزهومة – تصرف الوضوء من معناه الشرعي ( الوضوء للصلاة ) إلى معناه اللغوي ( النظافة ) .

وأجب بالآتي :

عدم التسليم بالتعليل في الحكم الأول ( النهي عن الصلاة في معاطن
الإبل .. ) لأن الحكم تعبدي([113]) ، يؤكد ذلك ما أخرجه أبو داود في سننه([114]) عن البراء بن عازب قال :

( … وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل فقال : لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها من الشيطان ، وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم فقال : صلوا فيها فإنها بركة ) .

· لو سلمنا – جدلاً – بالتعليل المذكور في الصورة الأولى فظاهر أن الحكمين تعاكسا لتعاكس العلة ، النفار في الإبل والسكون في الغنم ، أما الصورة الثانية ( الوضوء من لحم الإبل …) فإن الزهومة علة مشتركة بين لحم الإبل والغنم فافترقت الصورتان .

إن جعل إزالة الزهومة علة للأمر بالوضوء اللغوي ( النظافة ) يرده أن الشارع فرق في الحكم بين لحم الإبل ولحم الغنم فأمر بذلك في لحم الإبل ولم يأمر في لحم الغنم مع أن إزالة الزهومة ( النظافة ) مطلوبة في الحالين.

يؤكد ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

( من بات وفي يده ريح غمر فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه )([115]) .



ولا يقال إن في لحم الإبل زيادة زهومة على لحم الغنم لأن ذلك لا يوجب اختصاص الإبل الحكم إذ أنه عليه السلام شرب لبناً فمضمض وقال إن له دسماً([116])، وفي رواية ابن ماجه([117]):

( إذا شربتم اللبن فمضمضوا فإن له دسماً ) .([118])

ومن هذا العرض للقرائن الصارفة للوضوء عن معناه الشرعي إلى معناه اللغوي والمناقشات الواردة عليها يتضح لنا ضعف هذه القرائن الصارفة وسقوطها ، بل إن الدليل المؤول حفت به قرائن تؤكد إرادة المعنى الشرعي للوضوء وتنفي إرادة المعنى اللغوي ، ونجمل هذه القرائن في الآتي :

1- إن راوي الدليل جابر بن سمرة رضي الله عنه فهم منه الوضوء الشرعي وهو أعلم بمعنى ما سمع .([119])

أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه([120]) بسنده عن جابر بن سمرة قال :

( كنا نتوضأ من لحوم الإبل ، ولا نتوضأ من لحوم الغنم ) .

2- إن الأمر للوجوب ما لم يصرفه صارف ، فإذا حمل الوضوء على غسل الفم واليدين اقتضى ذلك وجوبه ، ولا قائل به . ([121])

3- إن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الوضوء في سياق الصلاة مبيناً حكم الوضوء والصلاة في هذين النوعين ، والوضوء المقرون بالصلاة هو وضوؤها لا غير . ([122])

4- إن السائل إنما جاء يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن حكم الوضوء الشرعي لا عن نظافة يديه وفمه بعد أكل لحم الإبل أو الغنم .

5- ( إن الأمر بالتوضؤ من لحم الإبل : إن كان أمر إيجاب امتنع حمله على غسل اليد والفم ، وإن كان أمر استحباب امتنع رفع الاستحباب عن لحم
الغنم ، والحديث فيه أنه رفع عن لحم الغنم ما أثبته للحم الإبل ، وهذا يبطل كونه غسل اليد ، سواء كان حكم الحديث إيجاباً أو استحباباً ) . ([123])

المناقشة الثالثة :

إن الأمر في الدليل محمول على الاستحباب ، قال الإمام الماوردي في الحاوي([124]) الكبير .

(… وهذا الحديث محمول على الاستحباب والإرشاد ) .

وأجيب بأن ظاهر الأمر الوجوب عند جمهور الفقهاء([125])، ولا يجوز الخروج عن هذا الظاهر إلا بقرينة صارفة تكون في قوة الظاهر أو أقوى منه ، ولم يذكر أصحاب هذا التأويل هذه القرينة الصارفة ، فيبقى الأمر على أصله من الوجوب([126])، بل إن هذا الأمر حفت به قرائن تؤيد الظاهر وتؤكده ، وتمنع هذا التأويل ، ومن هذه القرائن ما يلي :

1 - إن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن حكم الوضوء من لحم الإبل فأجاب بالأمر بالوضوء منه فلا يجوز حمله على غير الوجوب لأنه يكون تلبيساً على السائل لا جواباً([127]) .

2 - إن الحكم ذكر في جواب السائل ، والحكم في مثل هذا لا يفهم منه إلا الإيجاب ، كالوضوء من الصوت والريح ومس الذكر ([128]) .

3 - إن الدليل فرق بين لحم الإبل ولحم الغنم ، والنهي في لحم الغنم إنما أفاد نفي الإيجاب لا التحريم، فيجب أن يكون في لحم الإبل مفيداً للإيجاب ليحصل الفرق([129]).

4 - إن الوضوء مستحب في لحم الغنم – ليخرج من خلاف من قال بوجوب الوضوء مما مست النار – وقد نفاه الدليل في لحم الغنم وأثبته في لحم الإبل ، فكيف يحمل الأمر على الاستحباب([130]) ؟ .

5 - إن الدليل أثبت صفة في الإبل تقتضي الوضوء ، والأصل في الأسباب المقتضية للوضوء أن نكون موجبة([131]) .

المناقشة الرابعة :

إن أكل لحم الإبل مما يغلب وجوده فلو جعل حدثاً لوقع الناس في الحرج([132]) .

ونوقش الدليل بالآتي :

1 - لا يسلم لكم أن جعل أكل لحم الإبل حدثاً يؤدي إلى الحرج ، إذ الواقع ينفي ذلك لأن الإنسان لا يأكل في العادة لحم الإبل ( أو غيره من
اللحوم ) إلا مرة في اليوم أو مرتين على الأكثر ، فإذا توضأ الإنسان بعد ذلك الأكل ( مرة أو مرتين ) فأين وجه الحرج ؟.

2 - إن خروج البول حدثٌ بالإجماع يوجب الوضوء ، وهو أكثر وجوداً من أكل لحم الإبل إذ الإنسان عادة ما يتبول أكثر من مرتين في اليوم ، ومع ذلك لم يكن ذلك سبباً لإيقاع الناس في الحرج .

3 - إن المشقة المعتادة لا تسمى حرجاً ، قال الإمام الشاطبي في الموافقات([133]) :

( … وأصل الحرج الضيق ، فما كان من معتادات المشقات في الأعمال المعتادة فليس بحرج لغة ولا شرعاً ) .

وقال أيضاً : ( … حيث تكون المشقة الواقعة بالمكلف في التكليف خارجة عن معتاد المشقات في الأعمال العادية ، حتى يحصل بها فساد ديني أو دنيوي ، فمقصود الشارع فيها الرفع على الجملة … ولذلك شرعت فيها الرخص مطلقاً .

وأما إذا لم تكن خارجة عن المعتاد ، وإنما وقعت على نحو ما تقع المشقة في مثلها من الأعمال العادية ، فالشارع وإن لم يقصد وقوعها فليس بقاصد لرفعها أيضاً ، والدليل على ذلك أنه لو كان قاصداً لرفعها لم يكن بقاء التكليف معها ، لأن كل عمل عادي أو غير عادي يستلزم تعباً وتكليفاً على قدره ، قلَّ أو
جلَّ ، إما في نفس العمل المكلف به ، وإما في خروج المكلف عما كان فيه إلى الدخول في عمل التكليف ، وإما فيهما معاً ، فإذا اقتضى الشرع رفع ذلك التعب كان ذلك اقتضاء لرفع العمل المكلف به من أصله ، وذلك غير صحيح ، فكان ما يستلزمه غير صحيح ) ([134]).

المناقشة الخامسة :

إن هذه الأحاديث آخبار آحاد وردت فيما تعم به البلوى ويغلب وجوده ولا يقبل خبر الواحد في مثله([135]) .

وأجيب بأن جمهور الفقهاء والأصوليين([136]) لا يسلمون بهذه القاعدة بل يرون أن أحاديث الآحاد يعمل بها فيما تغم به البلوى كما يعمل بها في غيره مادامت شروط الصحة قائمة .

إشكال ورده :

والإشكال هو :

أن الأمر في الحديث محمول على الإباحة ، لأنه أمر بعد استئذان([137]).

قال العلامة ابن اللحام في كتابه ( القواعد والفوائد الأصولية ) :

( إذا فرعنا على أن الأمر المجرد للوجوب، فوجد أمر بعد استئذان فإنه لا يقتضي الوجوب، بل الإباحة ، ذكره القاضي محل وفاق ، قلت : وكذلك ابن عقيل … .

إذا تقرر هذا فلا يستقيم قول القاضي وابن عقيل في استدلالهما على نقض الوضوء بلحم الإبل بقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم ، لما سئل عن التوضي من لحوم الإبل فقال : ( نعم ، فتوضأ من لحوم الإبل ) .

ومما يقوي الإشكال أن في الحديث الأمر بالصلاة في مرابض الغنم ، وهو بعد سؤال ، ولا يجب بلا خلاف …)([138]) .

ثم أجاب ابن اللحام عن هذا الإشكال – بصيغة التمريض – بقوله :

( وقد يقال : الحديث إنما ذكر فيه بيان وجوب ما يتوضأ منه ، بدليل أنه لما سئل عن الوضوء من لحوم الغنم قال : ( إن شئت فتوضأ ، وإن شئت فلا
تتوضأ ) مع أن التوضي من لحوم الغنم مباح ، فلما خير في لحم الغنم ، وأمر بالوضوء من لحوم الإبل دل على أن الأمر ليس هو لمجرد الإذن بل للطلب الجازم ، والله أعلم )([139]) .

قلت : ويمكن أن يعقب على هذا الإشكال بالتالي :

إن الأصوليين مختلفون في دلالة الأمر([140]) بعد الاستئذان فإذا كان بعضهم يذهب إلى الإباحة فإن الكثير منهم يقرر الوجوب([141]) .

1 - إن جعل العلامة ابن اللحام الحديث ( أتوضأ من لحوم الإبل ؟ … ) من باب الأمر بعد الاستئذان غير ظاهر لي لأن الاستئذان طلب إباحة الشيء وإجازته ، قال في المفردات([142]) : ( والإذن في الشيء إعلام بإجازته والرخصة فيه ) .

وقال في المصباح المنير([143]): ( أذنت له في كذا : أطلقت له فعله ) .

وقال في لسان العرب([144]) ( أذن له في الشيء إذنا وأذيناً : أباحه له ) .



أقول : وهذا يقتضي – كما هو ظاهر – أن الشيء كان قبل الاستئذان محظوراً على المستأذن ، أي أن الأمر بعد الاستئذان هو في معنى الأمر بعد
الحظر ، ولذا رأينا الأصوليين يقرنون([145]) بين الأمر بعد الاستئذان والأمر بعد الحظر في الحكم .

أما ما جاء في الحديث ( أتوضأ من لحوم الإبل ؟ … ) فليس استئذاناً لأنه ليس طلباً للإباحة أو الإطلاق في أمر قد تقرر حظره على السائل قبل ، بل هو أمر بعد سؤال السائل النبي صلى الله عليه وسلم عن حكم الوضوء من لحم الإبل ، والأمر بعد السؤال يقرره مقتضى السؤال أهو عن الوجوب أو الإباحة أو الإجزاء ؟ كما قرر ذلك الإمام ابن قدامة ([146]) في المغني بقوله :

(… ومنها أن السائل سأل النبي صلى الله عليه وسلم هل يفعل ذلك أم
لا ؟ وجوابه يختلف باختلاف مقتضى سؤاله ، فإن كان مقتضاه السؤال عن الإباحة فالأمر في جوابه يقتضي الإباحة ، وإن كان السؤال عن الاجزاء فأمره يقتضي الاجزاء … وإن كان سؤالهم عن الوجوب فأمره يقتضي الوجوب كقولهم ( أنتوضأ من لحوم الإبل ؟ قال : توضؤوا من لحوم الإبل … ) .

القائلون بعدم النقض :

ذهب الحنفية([147])، والمالكية([148])، والشافعية في الصحيح([149]) عندهم ، والزيدية([150])، إلى أن أكل لحم الإبل لا ينقض الوضوء ، وهو رواية([151]) عن الإمام أحمد ، وقول سويد بن غفلة([152])، ومجاهد([153])، وعطاء([154]) بن أبي رباح ،
وطاوس([155]) ، وسفيان الثوري([156]) ، وإبراهيم النخعي([157])، والليث بن سعد([158]) ، والأوزاعي([159]) .



أدلة القائلين بعدم النقض :

الدليل الأول : ما أخرجه الإمام أبو داود([160])– وغيره([161])– في سننه بسنده عن جابر بن عبدالله قال(كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم: ترك الوضوء مما غيرت النار).

درجته : صحح الحديث ابن خزيمة([162]) والنووي([163]) وأحمد([164])شاكر والألباني([165]).

وجه الدلالة : إن لحم الإبل فرد من أفراد ما غيرت النار ، والدليل يدل على نسخ وجوب الوضوء مما غيرت النار لأن النبي صلى الله عليه وسلم ترك في آخر الأمر الوضوء من أكل ما غيرت النار وهذا يستلزم أن لا يكون أكل لحم الإبل ناقضاً للوضوء .

قلت : وقد سبق رد دعوى النسخ هذه في المناقشة الأولى وبيان ما أورد على هذا الحديث من إشكال .

الدليل الثاني : ما أخرجه البيهقي في سننه([166]) من حديث ابن عباس مرفوعاً: ( إنما الوضوء مما خرج وليس مما دخل ) .

وجه الدلالة : إن الدليل حصر نواقض الوضوء فيما يخرج من البدن نجساً ولا يوجد ذلك في أكل لحم الإبل لأنه داخل للبدن فلا يكون ناقضاً([167]).

ونوقش الدليل بالآتي :

إن الحديث المرفوع ضعيف من ناحية السند فلا حجة فيه ، ولكنه ثبت موقوفاً من قول ابن عباس([168]) وغيره .

أ - لو سلمنا جدلاً بصحة الحديث فإنه لا يدل على الدعوى لما يلي :



ب - إن حديث النقض بأكل لحم الإبل أخص منه والخاص يقدم على العام جمعاً بين الأدلة([169]) .

ج - إن حديث النقض أصح منه فيجب تقديمه عليه مع افتراض عدم إمكان الجمع([170]).

د- إن الحديث محمول على غير لحم الإبل([171])، وإنما هو في ترك الوضوء مما غيرت النار ، وسياق الحديث في سنن البيهقي يشير إلى ذلك إذ جاء فيه :

( … عن ابن عباس أنه ذكر عنده الوضوء من الطعام … فقال : إنما الوضوء مما خرج وليس مما دخل )([172])، ولهذا قال الإمام البيهقي في سننه([173]):

( وروينا عن علي بن أبي طالب وابن عباس الوضوء مما خرج وليس مما دخل ، وإنما قالا ذلك في ترك الوضوء مما مست النار ) .

الدليل الثالث : ما أخرجه البزار في مسنده([174])بسنده عن أبي بكر الصديق أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( لا يتوضأن أحدكم من طعام أكله ، حلّ له أكله ) ([175]) .

وجه الدلالة : إن الدليل نفى وجوب الوضوء من مطلق طعام مباح فدخل في ذلك لحم الإبل .

ونوقش الدليل بالآتي :

1 - إن الحديث ضعيف([176]) فلا حجة فيه .

2 - إن الدليل – على فرض صحته – عام ودليل النقض بلحم الإبل خاص فيقدم الخاص على العام كما هو مقرر في الأصول .

الدليل الرابع([177]) :

إن عدم النقض قول جمهور الصحابة والخلفاء الراشدين الذين أمرنا([178]) باتباعهم .

ونوقش الدليل بالآتي :

1 - إن هذه دعوى تحتاج إلى دليل ، إذ أين النقل الصحيح في ذلك عن جمهور الصحابة والخلفاء الراشدين([179]) ؟

2 - إن من نقل ذلك عنهم كالإمام النووي رحمه الله كان واهماً.

يقول الإمام ابن تيمية في القواعد النورانية([180]) .

( … وأما من نقل عن الخلفاء الراشدين أو جمهور الصحابة خلاف هذه المسائل وأنهم لم يكونوا يتوضؤون من لحوم الإبل فقد غلط عليهم ، وإنما توهم ذلك لما نقل عنهم أنهم كانوا لا يتوضؤون مما مست النار ، وإنما المراد أن كل ما مس النار ليس هو سبباً عندهم لوجوب الوضوء ، والذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من الوضوء من لحم الإبل ليس سببه مس النار … ) .

قال المحدث الألباني في تمام([181]) المنة معقباً على ما ذكره ابن تيمية :

( قلت : ويؤيد ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن الطحاوي –1/41-، والبيهقي –1/157- رويا عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه أنا أبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب أكلا خبزاً ولحماً فصليا ولم يتوضيا ، ثم أخرجا نحوه عن عثمان ، والبيهقي عن علي .

فأنت تري أنه ليس في هذه الآثار ذكر للحم الإبل البتة ، وإنما ذكر فيها اللحم مطلقاً وهذا لو كان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لوجب حمله على غير لحم الإبل دفعاً للتعارض، فكيف وهو عن غيره صلى الله عليه وسلم ، فحمله على غير لحم الإبل واجب من باب أولى ، حملاً لأعمالهم على موافقة الشريعة لا على مخالفتها ، ولذلك أورد الطحاوي والبيهقي هذه الآثار في باب الوضوء مما مست النار … ) .

3 - إن الآثار التي رويت عن بعض الصحابة والتي تدل على عدم النقض ضعيفة وهي :

أ- ما أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفة([182]) قال ( حدثنا وكيع عن سفيان عن جابر عن أبي سبرة النخعي أن عمر بن الخطاب أكل لحم جزور ثم قام فصلى ولم يتوضأ ) ، وهذا إسناد ضعيف([183]) .

ب- ما أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه([184]) قال : ( حدثنا وكيع عن شريك عن جابر عن عبدالله بن الحسن أن علياً أكل لحم جزور ثم صلى ولم يتوضأ ) وهذا إسناد ضعيف([185]) .

ج- ما أخرجه البيهقي في سننه([186]) بسنده عن أبي جعفر قال : ( أتي ابن مسعود بقصعة من الكبد والسنام ولحم الجزور فأكل ولم يتوضأ ، وهذا منقطع موقوف ) .

د- ما أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ([187]) قال ( حدثنا عائذ ([188]) بن حبيب عن يحي ([189]) بن قيس قال : رأيت ابن عمر أكل لحم جزور وشرب لبن الإبل وصلى ولم يتوضأ )([190]).

4- إن المنقول عن الصحابة رضوان الله عليهم بسنده صحيح خلاف ذلك فقد أخرج ابن شيبة في مصنفه([191])بسند صحيح([192]) عن جابر بن سمرة قال : ( كنا نتوضأ من لحوم الإبل ولا نتوضأ من لحوم الغنم ) .

ومعناه : أي كنا جماعة الصحابة نفعل ذلك ، لأن الظاهر أن الضمير يعود للجميع فيدل على فعل الجماعة دون بعضهم ، فيكون حجة لأنه إجماع([193]) .

قال الإمام الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام ([194]) :

( إذا قال الصحابي : كنا نفعل كذا ، وكانوا يفعلون كذا … فهو عند الأكثر محمول على فعل الجماعة دون بعضهم ، خلافاً لبعض الأصوليين .

ويدل على مذهب الأكثر أن الظاهر من الصحابي أنه إنما أورد ذلك في معرض الاحتجاج ، وإنما يكون ذلك حجة أن لو كان ما نقله مستنداً إلى فعل الجميع ، لأن فعل البعض لا يكون حجة على البعض الآخر ، ولا على غيرهم .

فان قيل : لو كان ذلك مستنداً إلى فعل الجميع لكان إجماعاً ، ولما ساغ مخالفته بطريق الاجتهاد فيه ، حيث سوغتم ذلك دل على عوده إلى البعض دون الكل .

قلنا : تسويغ الاجتهاد فيه إنما كان لأن اضافة ذلك إلى الجميع وقع ظناً لا قطعاً ، وذلك كما يسوغ الاجتهاد فيما يرويه الواحـد من الألفاظ القاطعة في الدلالة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، لما كان طريق اتباعه ظنياً ، وإن كان لا يسوغ فيه الاجتهاد عند ما إذا ثبت بطريق قاطع ) .

الدليل الخامس : القياس على البقر والغنم بجامع أن الجميع حيوان ، قال القاضي عبدالوهاب في الإشراف على مسائل الخلاف([195]) : ( ولأنه حيوان فلم يجب بأكله الوضوء كالبقر والغنم ) .

الدليل السادس : القياس على الخبز ونحوه بجامع أنه مأكول ، قال القاضي عبدالوهاب في المعونة([196]) : ( ولأنه مأكول فأشبه الخبز ) .

الدليل السابع : القياس على لحم الضأن بجامع أنه لحم ، قال الإمام الباجي في المنتقى([197]) :

( لحم فلم يجب بأكله وضوء كلحم الضأن ) .

وأجيب عن هذه الأقيسة بالآتي :

1 - منع التعليل في الفرع لأن حكمه تعبدي غير معلل ، قال الإمام الكلوذاني في الانتصار([198])… الطهارة تعبد شرعي لا يعقل معناه فوقف على ما شرعه الشرع فيه)، وقال الإمام الفتوحي في معونة أولي النهى([199])
( … الصحيح من المذهب أن الوضوء من لحم الإبل تعبدي وعليه الأصحاب).

2 - لو سلمنا بأن الحكم معلل([200]) فإن هذا القياس فاسد لأنه يصادم نصاً خاصاً فلا عبرة به، يقول العلامة ابن القيم في أعلام الموقعين([201]) :

( … الشارع فرق بين اللحمين ، كما فرق بين المكانين ، …… فأمر بالصلاة في مرابض الغنم دون أعطان الإبل ، وأمر بالتوضؤ من لحوم الإبل دون الغنم ، كما فرق بين الربا والبيع والمزكى والميتة ، فالقياس الذي يتضمن التسوية بين ما فرق الله بينه من أبطل القياس وأفسده ) .

3- إنه قياس مع الفارق لأن في الفرع ( لحم الإبل ) قوة شيطانية نارية غير موجودة في الأصل ( الخبز ولحم الضأن وغيره من المأكولات المباحة ) ، والوضوء يطفئ تلك القوة الشيطانية النارية .

يقول العلامة ابن القيم في أعلام الموقعين([202]):

( … وقد جاء أن على ذروة كل بعير شيطان([203])، وجاء أنها جن خلقت من جن([204])، ففيها قوة شيطانية ، والغاذي شبيه بالمغتذى ، ولهذا حرم كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير ، لأنها دواب عادية ، فالا غتذاء بها يجعل في طبيعة المغتذي من العدوان ما يضره في دينه ، فإذا اغتذى من لحوم الإبل وفيها القوة الشيطانية ، والشيطان خلق من نار ، والنار تطفأ بالماء ، وهكذا جاء الحديث ، ونظيره الحديث الآخر([205]) ( إن الغضب من الشيطان فإذا غضب أحدكم فليتوضأ ) ، فإذا توضأ العبد من لحوم الإبل كان في وضوئه ما يطفئ تلك القوة الشيطانية فتزول تلك المفسدة ) .

4- إنه قياسي طردي([206]) فاسد ، قال الإمام ابن قدامة في المغني([207]):
( وقياسهم فاسد ، فإنه طردي لا معنى فيه ، وانتفاء الحكم في سائر المأكولات لانتفاء المقتضى لا بكونه مأكولاً فلا أثر لكونه مأكولاً([208]) ووجوده كعدمه ) .

الدليل الثامن :

إن أكل لحم الإبل نوع من الانتفاع به ، والانتفاع بلحم الإبل من بيع وغيره لا يوجب الوضوء .

قال القاضي عبدالوهاب في الإشراف([209]) : ( ولأن الأكل نوع من الانتفاع به فلم يجب به وضوء ، أصله البيع وغيره ) .

وأجيب بالآتي :

1 - ما سبق من أن الحكم تعبدي ولا مدخل للقياس فيه .

2 - ما سبق من أن القياس هنا فاسد لمصادمته للنص الخاص .

3 - الفرق الظاهر بين الانتفاع بالبيع والإجارة والهبة ونحوها وبين الانتفاع بالأكل ، فقد أباح الشرع للرجل الانتفاع ببيع الذهب والحرير ولم يبح له الانتفاع بلبسهما، وأباح للمسلم الانتفاع بجلد الميتة بعد دبغه ولم يبح له الانتفاع بأكل لحم الميتة .

• • •

الخاتمة :

بعد هذا العرض لآراء الفقهاء وأدلتهم ومناقشاتهم يتضح لنا رجحان القول بنقض الوضوء من أكل لحم الإبل للآتي :

1- صحة أدلة القائلين بالنقض وظهور دلالتها على محل الحكم .

2- ضعف أدلة القائلين بعدم بالنقض لورود المناقشات القوية عليها .

3- ضعف المناقشات الواردة على أدلة القائلين بالنقض لورود الأجوبة القوية عليها .

4- فعل ذلك من عامة الصحابة أو أكثرهم على ما بينا سابقاً([210]) .

5- إن أدلة النقض النقلية خاصة وأدلة عدم النقض النقلية عامه ، والخاص مقدم على العام كما هو مقرر في الأصول([211]) .

6- إن أدلة النقض قولية وأدلة عدم النقض فعلية ، والقول مرجح على الفعل([212]) .

7- إن القول بالنقض إثبات للحكم والقول بعدم النقض نفي ، والمثبت مقدم على النافي([213]) .

8- إن القول بالنقض موافق للقياس الصحيح على ما بينا سابقاً([214]) .

9- إن القول بالنقض هو الأحوط للمسلم وأبرأ لذمته([215]) ، خاصة في مجال العبادات .

هذا ما ترجح عندي حسب جهدي المتواضع ، والمسألة كما قلت خلافية ، وكل اجتهاد قابل للصواب والخطأ ، وترجيح أحد القولين لا يقلل من قيمة القول الآخر ولا يعطي الحق في الإنكار على من أخذ به كما هو مقرر عند الفقهاء والأصوليين .





الحواشي والتعليقات
http://www.mzayan.com/autohtml.php?o...&name=wado.htm

    رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
New Page 2
 
 

قديم 12-06-2006, 10:45 PM   #10
معلومات العضو
مسك الختام
اشراقة ادارة متجددة

افتراضي

₪◙◄بحث مفيد سيجيب بحول الله على كل تساؤلاتك بمجموعها ►◙₪

حكم نقض الوضوء بأكل لحم الإبل

د / علي بن محمد الأخضر العربي

«»«»«»«»«»«»«»«»«»«»«»«»«»«»

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين ، قائد الغر المحجلين، وبعد فهذا بحث عن حكم ( نقض الوضوء بأكل لحم الإبل ) ، جمعت فيه آراء الفقهاء في هذه المسألة ، وكذلك أدلتهم ومناقشاتهم وردودهم بغية الوصول إلى القول الراجح.

وتنبع أهمية الموضوع من أن الوضوء الطهور ، ( والطهور شـطر الإيمان ) كما قال المصطفى عليه الصلاة والسلام ([1]) .

وقد قسمت البحث إلى تمهيد ومبحثين وخاتمة :

التمهيد : في معنى الوضوء والنقض والإبل .

المبحث الأول : في رأي القائلين بالنقض وأدلتهم ، وفيه مطلبان :

المطلب الأول : في رأي القائلين بالنقض .

المطلب الثاني : في أدلة القائلين بالنقض .

المبحث الثاني : في رأي القائلين بعدم النقض وأدلتهم ، وفيه مطلبان :

المطلب الأول : في رأي القائلين بعدم النقض .

المطلب الثاني : في أدلة القائلين بعدم النقض .

الخاتمة : في بيان القول الراجح وأسباب ترجيحه .

وآخراً أرجو من الله العلي القدير أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه ، وأن يعفو عن زلاتنا ، ويجبر تقصيرنا ، إنه على كل شيء قدير ، وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

«»«»«»«»«»«»«»«»«»«»«»«»«»«»

القائلون بالنقض :

ذهب الظاهرية ([15]) ، والحنابلة في المعتمد ([16]) عندهم ، والشافعي في القديم([17]) ، إلى أن أكل لحم الإبل ينقض الوضوء ، وهو قول محمد بن إسحاق([18]) ، وأبي خيثمة زهير بن حرب ([19]) ويحي بن يحي النيسابوري ([20]) ، وإسحاق بن راهويه ([21]) ، واختاره من الشافعية ابن خزيمة ([22])، وأبو ثور ([23]) ، وابن المنذر ([24]) ، والبيهقي ([25]) ، والنووي ([26])، ومن المالكية ابن العربي ([27]) .

قال الإمام الخطابي في معالم السنن ([28]) ( .. ذهب عامة أصحاب الحديث إلى إيجاب الوضوء من أكل لحم الإبل ) .

أدلة القائلين بالنقض :

الدليل الأول :

ما أخرجه الإمام مسلم ([29]) – وغيره ([30]) – في صحيحه بسنده عن جابر بن سمرة ( أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أ أتوضأ من لحم
الغنم ؟ قال: إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا توضأ ، قال : أتوضأ من لحم
الإبل ؟ قال : نعم فتوضأ من لحم الإبل ، قال أصلي في مرابض الغنم ؟ قال : نعم ، قال أصلي في مبارك الإبل ؟ قال : لا ) .

الدليل الثاني :

ما أخرجه الإمام أبو داود ([31]) – وغيره ([32]) – في سننه بسنده عن البراء بن عازب قال: ( سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوضوء من لحم
الإبل ، فقال: توضؤوا منها ، وسئل عن لحم الغنم فقال : لا تتوضؤوا منها ، وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل ، فقال : لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها من الشياطين ، وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم فقال: صلوا فيها ، فإنها بركة ).

درجة الحديثين : هذان الحديثان صحيحان كما نص على ذلك أهل العلم بالحديث وإليك بعض أقوالهم .

1 – قال الإمام أحمد بن حنبل : ( فيه حديثان صحيحان ، حديث البراء وحديث جابر بن سمرة )([33]) .

2 – قال الإمام إسحاق بن راهويه : ( صح في هذا الباب حديثان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث البراء وحديث جابر بن سمرة )([34]).

3 – قال الإمام أبو بكر محمد خزيمة في صحيحه([35]) عقب حديث جابر بن سمرة :

( لم نر خلافاً بين علماء أهل الحديث أن هذا الخبر صحيح من جهة النقل ) ، وقال عقب حديث البراء : ( … ولم نر خلافاً بين علماء أهـل الحديث أن هذا الخبر أيضا صحيح من جهة النقل لعدالة ناقليه ) ([36]).

4 – قال الإمام أبو بكر ابن المنذر في كتابه الأوسط([37]) : ( والوضوء من لحوم الإبل يجب ، لثبوت هذين الحديثين وجودة إسنادهما ) .

5 – قال الإمام البيهقي في معرفة السنن والآثار([38]) : ( .. وقد صح فيه حديثان عند أهل العلم بالحديث : أحدهما جابر ن سمرة …. والحديث الآخر حديث البراء بن عازب ) .

قلت : وقد صحح أحاديث النقض غير هؤلاء الأئمة ابن حبان([39])، والنووي([40])، وابن العربي المالكي([41])، وابن تيمية([42])، وابن القيم([43])، والألباني([44])، وغيرهم .

وجه الدلالة([45]):

إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء من أكل لحوم الإبل ، والأمر يقتضي الوجوب ما لم يصرفه صارف – كما هو مقرر عند عامة الأصوليين([46])- وإنما يجب الوضوء عند الانتقاض .

ونوقش هذا الدليل بالمناقشات التالية :

المناقشة الأولى :

إن الدليل منسوخ بما أخرجه أبو داود في سننه([47]) بسنده عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال كان آخر الأمرين من رسول الله صلي الله عليه وسلم ترك الوضوء مما غيرت النار).

قال الإمام الطحاوي في شرح معاني الآثار([48]) :

( … وقد روينا في الباب الأول في حديث جابر أن آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما غيرت النار ، فإذا كان ما تقدم منه هو الوضوء مما مست النار، وفي ذلك لحوم الإبل وغيرها ، كان في تركه ذلك ترك الوضوء من لحوم الإبل ) .

وقال الإمام النووي في المجموع([49]) :

( وأجاب الأصحاب عن حديث جابر بن سمرة والبراء بجوابين أحدهما أن النسخ بحديث جابر كان آخر الأمرين …) .

وقال ابن قاسم في حاشيته على تحفة المحتاج([50]) :

( … الجواب الشـافي وهو جواب الأصحاب بنسخهما بحديث جابر وكان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما غيرت النار ) .

وقال في المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود([51]) :

( … وأقوى أجوبة القائلين بعدم النقض الجواب بالنسخ …) .

وردت هذه المناقشة بالآتي :

الرد الأول : إن النسخ في أصل المسألة ( نسخ الوضوء مما غيرت النار ) غير مسلم به ، يقول العلامة ابن القيم في كتابه أعلام الموقعين([52]) :

( … أُمِرْنا بالوضوء مما مست النار إما إيجاباً منسوخاً وإما استحباباً غير منسوخ ، وهذا الثاني أظهر لوجوه منها : أن النسخ لا يصار إليه إلا عند تعذر الجمع بين الحديثين ، ومنها أن رواة أحاديث الوضوء بعضهم متأخر الإسلام كأبي هريرة ، ومنها أن المعنى الذي أمرنا الوضوء لأجله منها هو اكتسابها من القوة النارية وهي مادة الشيطان التي خلق منها والنار تطفأ بالماء ، وهذا المعني موجود فيها ، وقد ظهر اعتبار نظيره في الأمر بالوضوء من الغضب، ومنها أن أكثر ما مع من ادعى النسخ أنه ثبت في أحاديث صحيحة كثيرة أنه صلى الله عليه وسلم أكل مما مست النار ولم يتوضأ ، وهذا إنما يدل على عدم وجوب الوضوء لا على عدم استحبابه ، فلا تنافي بين أمره وفعله ، وبالجملة فالنسخ إنما يصار إليه عند التنافي ، وتحقق التاريخ ، وكلاهما منتف ) .

الرد الثاني : إن النسخ لا يتحقق عند العلماء إلا بشروط من أهمها تحقق تأخر الناسخ عن المنسوخ ، وتعارض الناسخ مع المنسوخ ، وهذان الشرطان غير متحققين في مسألتنا .

أما الشرط الأول وهو تأخر الناسخ عن المنسوخ فهو غير متحقق للآتي :

1 - لم يأت دعاة النسخ بدليل على تأخر حديث جابر بن عبدالله
( كان آخر الأمرين …) عن حديث جابر بن سمرة وغيره ( توضؤوا من لحم الإبل …) … فهل يثبت تأخر الناسخ عن المنسوخ بمجرد الدعوى ؟ .

2 - إن الدليل المدعى نسخه نفسه يدل على عدم صحة الدعوى ، يوضح ذلك الإمام ابن قدامة في المغني([53]) بقوله :

( الأمر بالوضوء من لحوم الإبل متأخر عن نسخ الوضوء مما مست النار أو مقارن له بدليل أنه قرن الأمر بالوضوء من لحم الإبل بالنهي عن الوضوء من لحوم الغنم وهي مما مست النار ، فإما أن يكون النسخ حصل بهذا النهي ، وإما أن يكون بشيء قبله ، فإن كان به والأمر بالوضوء من لحوم الإبل مقارن لنسخ الوضوء مما غيرت النار ، فكيف يجوز أن يكون منسوخاً به ؟ ومن شروط النسخ تأخر الناسخ، وإن كان الناسخ قبله لم يجز أن ينسخ بما قبله ) .

وأجيب باحتمال أن يكون حديث جابر بن سمرة رضي الله عنهما جاء أولاً فأمروا بالوضوء من لحوم الإبل ثم أمروا بعد ذلك بالوضوء مما مسته عموماً ثم نسخ ذلك بحديث جابر بن عبدالله رضي الله عنه وما شابهه([54]) .

ورد بأن النسخ لا يبنى على الاحتمالات بل من شروطه كما ذكرنا العلم بتأخر الناسخ عن المنسوخ .

وأما الشرط الثاني وهو التعارض بين الناسخ والمنسوخ فغير متحقق للآتي :

أولاً : إن الدليل المدعى فيه النسخ ( توضؤوا من لحوم الإبل …) يقرر نفس ما يقرره الدليل الناسخ – عندكم – وهو أن الوضوء مما مست النار غير واجب ، وذلك لأن في حديث الوضوء من لحم الإبل ( وسئل عن لحوم الغنم فقال : لا تتوضؤوا منها ) وفي الرواية الأخرى ( أأتوضأ من لحوم الغنم ؟ قال : إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا توضأ ) .

أما إيجاب الوضوء من لحم الإبل فهذا أمر آخر لا يتعلق بأكل ما مست النـار بل هو متعلق بذات لحم الإبل وعينه ، فالحديث علق الوجوب بذات لحم الإبل ( أتوضأ من لحوم الإبل ؟ قال : نعم فتوضأ من لحوم الإبل ) أي أن الحديث جعل أكل لحم الإبل ذاته سبباً في إيجاب الوضوء ، ولذلك فإنه ينقض الوضوء مطبوخاً (مسته النار) ونيئاً ( لم تمسه النار ) . ([55])

ورد بأن الأمر بالوضوء من لحوم الإبل محمول على أكله مطبوخاً – ما غيرته النار – لأنه الغالب المعهود([56])، والوضوء مما غيرته النار منسوخ كما ذكرنا .

وأما قولكم إن لحم الإبل هو الموجب للوضوء سواء غيرته النار أم لم تغيره فلا يسلم به لأنه يلزم منه أن يجعل الدليل شاملاً للأكل والمس أيضاً ، فلحم الإبل كما أنه غير مقيد بكونه مطبوخاً فانه غير مقيد بالأكل ، فإذا جعلتموه شاملاً للمطبوخ والنيء لزم أن تجعلوه شاملاً للأكل والمس ، ولم يقل أحد بنقض الوضوء من مس لحم الإبل([57]).

وأجيب بالآتي :

1 - إن الدليل جاء بصيغة العموم (فتوضأ من لحوم الإبل) إذ هو جمع أضيف إلى معرفة([58]) ، وهذا يقتضي أن يعم كل لحم للإبل سواء كان مطبوخاً أو غير مطبوخ .

2- إذا سلمنا أن الغالب المعهود في أكل لحم الإبل أن يكون مطبوخاً فان سياق الدليل اشتمل على قرينة تخرجه عن الغالب المعهود ، ألا وهي أن لحم الغنم مثل لحم الإبل ، أي أن الغالب المعهود في أكله أن يكون مطبوخاً ، وقد رأينا النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بالوضوء من لحم الإبل ولم يأمر به من لحم الغنم فكان هذا قرينة على أن سبب الأمر بالوضوء من لحم الإبل هو ذات اللحم وعينه لا كونه مطبوخاً مسته النار وإلا لكان هو ولحم الغنم سواء في الحكم لاشتراكهما في مسيس النار .

3 - الإلزام بجعل الدليل شاملاً للمس كما هو شامل للأكل بحجة أنه غير مقيد بالأكل قياساً على جعله شاملاً للنيء والمطبوخ بحجة أنه غير مقيد بالطبخ غير مسلم به لأمرين .

أ – ما تقرر في الأصول([59]) من أن الأعيان لا توصف بالحل والحرمة والوجوب .. وإنما يوصف الفعل المتعلق بها ، فإذا وصفت بذلك أضيف الوصف إلى الفعل المتعلق بها عادة وعرفاً ، كما قي قوله تعالى } حرمت عليكم أمهاتكم { ([60]) أي حرم عليكم نكاحهن ، وقوله تعالى } حرمت عليكم الميتة { ([61]) أي حرم عليكم أكلها، وهكذا .

والفعل المتعلق بإيجاب الوضوء من اللحم عادة وعرفاً هو الأكل لا اللمس أو غيره ، وهذا ما فهمه عامة علماء المسلمين من الدليل فاختلفوا بين قائل بالنقض من أكل لحم الإبل وقائل بعدم النقض من الأكل لا غيره من اللمس والنظر ونحوه ، وهذا ما فهمه عامة الصحـابة والمسلمين من حديث ( توضؤوا مما مست النار ) ([62]) فاختلفوا بين قائل بالنقض من أكل ما مسته النار وبين قائل بعدم النقض من أكل ما مسته النار([63]).

ب- إننا لم نجعل لحم الإبل شاملاً للنيء والمطبوخ لمجرد أنه غير مقيد بالطبخ كما تقررون بل لما سبق ذكره من العموم والقرينة .

ثانيا : إن الدليل الناسخ – حسب دعواكم – من باب الفعل النبوي([64])، وقد اختلف الأصوليون في حكاية الصحابي لفعل النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ ظاهره العموم هل تفيد العموم أو لا تفيده ؟ على قولين رئيسين :

الأول : تفيد العموم([65]) .

الثاني : لا تفيد العموم([66]) .

قلت : وعلى أي من هذين القولين فإن التعارض الذي يحوج إلى القول بالنسخ منتف ، وإليك تفصيل ذلك .

القول الأول ( إفادة العموم )

قال الشيخ محمود السبكي عند شرحه لحديث جابر رضي الله عنه ( كان آخر الأمرين .. ) في كتابه المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود([67]) .

( .. ولما كان لحم الإبل فرداً مما مسته النار وقد نسخ وجوب الوضوء منه بجميع أفراده فاستلزم نسخ وجوبه من لحم الإبل ، فما قاله النووي([68]) من أن هذا الحديث عام وحديث الوضوء من لحم الإبل خاص ، والخاص مقدم على العام مندفع بأنا لا نسلم أن نسخه لكونه خاصاً ، بل لأنه فرد من أفراد العام الذي نسخ ، وإذا نسخ العام الذي هو وجوب الوضوء مما مست النار نسخ كل فرد من أفراده ومنه لحم الإبل …) .

وأجيب بأنه لا تعارض من وجهين :

1- إن الأمر بالوضوء من لحم الإبل لذاته وليس لأنه من مما مسته النار ولذا ينقض مطبوخاً ونيئاً كما بينا سابقاً .

يقول الإمام ابن قدامه في المغني([69]) :

( إن أكل لحوم الإبل إنما نقض لكونه من لحوم الإبل لا لكونه مما مست النار ، ولهذا ينقض وإن كان نيئاً ، فنسخ إحدى الجهتين لا يثبت به نسخ الجهة الأخرى ، كما لو حرمت المرأة للرضاع ولكونها ربيبة ، فنسخ التحريم بالرضاع لم يكن نسخاً لتحريم الربيبة ) .

2- لو سلمنا جدلاً بأن الأمر بالوضوء من أكل لحم الإبل لكونه مما مسته النار ، وسلمنا بالعموم في حديث جابر بن عبدالله رصي الله عنه فإنه لا تعارض يحوج إلى النسخ بل الجمع ممكن لأن دليلكم عام ودليل النقض بلحم الإبل خاص ، والخاص يقدم على العام سواء كان قبله أو بعده([70]) على رأي جمهور الأصوليين([71]) .

قلت : أما ما قاله صاحب المنهل العذب المورود في تعقيبه السابق على الإمام النووي من أن نسخ الوضوء بأكل لحم الإبل ليس لكونه خاصاً بل لكونه فرداً من أفراد العام الذي نسخ فكلام غريب حقاً لأن التخصيص كما يقرر الأصوليون([72]) هو إخراج بعض ما كان داخلاً تحت العموم على تقدير عدم المخصص ، أو بيان أن بعض مدلول اللفظ غير مراد بالحكم .

وهذا يقتضي إخراج لحم الإبل من أفراد العام ( ما مسته النار ) الذي حكم فيه بعدم النقض .

القول الثاني ( عدم إفادة العموم )

قال العلامة ابن القاسم في حاشيته([73]) على تحفة المحتاج - معلقاً على قول صاحب التحفة([74]) عندما اعترض على أصحابه الشافعية القائلين بعدم النقض فقال : ( ونوزعوا بأن فيه حديثين صحيحين ليس عنهما جواب شاف ) - :

( أقول هذا ممنوع بل عنهما الجواب الشافي وهو جواب الأصحاب بنسخهما بحديث جابر وكان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما غيرت النار ، وأما اعتراض النووي عليه بأن هذا الجواب ضعيف أمر باطل لأن حديث ترك الوضوء مما مسته النار عام وحديث الوضوء من لحم الجزور خاص والخاص مقدم على العام تقدم أو تأخر اه‍ ، فهو اعتراض باطل فإن هذين الحديثين ليسا من العام والخاص اللذين يقدم منهما الخاص مطلقاً ، إذ عبارة جابر لم يحكها النبي صلى الله عليه وسلم حتى يكونا من ذلك ، وإنما هي من عند نفسه بين بها ما عرفه من حال النبي صلى الله عليه وسلم وما استقر عليه أمره وذلك صريح في النسخ واطلاعه على تركه عليه الصلاة والسلام الوضوء مما غيرت النار مطلقاً ، وهذا في غاية الوضوح
للمتأمل ، فجواب الأصحاب في غاية الاستقامة والظهور ) .

وأجيب بالآتي :

1- لو سلمنا جدلاً أن حديث جابر بن عبدالله صريح في النسخ فإنما هو نسخ للوضوء من أكل ما مسته النار ، وقد ذكرنا سابقاً أن الوضوء من أكل لحم الإبل لذاته لا لكونه مما مسته النار ، وهذا ظاهر لأن حديث الأمر بالوضوء من أكل لحم الإبل تضمن عدم وجوب الوضوء من أكل لحم الغنم و ےهو مما مسته النار .

2- إنه ليس في حديث جابر بن عبدالله ما يدل على نسخ الوضوء مما مسته النار صراحة كما تدعون ، بل هو قضية عين وحكاية لفعل النبي صلى الله عليه وسلم أنه ترك في آخر الأمر الوضوء مما مسته النار ، وكل ما تدل عليه أن أكل ما مسته النار لا يوجب الوضوء([75]).

يوضح ما قلناه ما ذكره ابن أبي حاتم في كتابه علل الحديث([76]) حيث قال :

( سألت أبي عن حديث رواه على بن عياش عن شعيب بن أبي حمزة عن محمد بن المنكدر عن جابر قال : كان آخر الأمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار ، فسمعت أبي يقول : هذا حديث مضطرب المتن ، إنما هو أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل كتفاً ولم يتوضأ ، وكذا رواه الثقات عن ابن المنكدر عن جابر ، ويحتمل أن يكون شعيب حدث به من حفظه فوهم فيه ) .

وقد فصل ابن حبان في صحيحه القول في هذا فقال ([77]) بعد ذكر حديث شعيب بن أبي حمزة السابق :

( هذا خبر مختصر من حديث طويل اختصره شعيب ابن أبي حمزة متوهماً لنسخ إيجاب الوضوء مما مست النار مطلقاً ، وإنما هو نسخ لإيجاب الوضوء مما مست النار خلا لحم الجزور فقط ) .

ثم عنون ابن حبان بعد ذلك بقوله ([78]) :

( ذكر الخبر المقتضي للفظة المختصرة التي ذكرناها :

]1132[ أخبرنا عبدالله بن محمد الأزدي قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال أخبرنا أبو علقمة ([79]) عبدالله بن محمد بن عبدالله بن أبي فروة المديني ، قال : حدثني محمد بن المنكدر عن جابر قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل طعاماً مما مست النار ثم صلى قبل أن يتوضا ، ثم رأيت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل طعاماً مما مسته النار ثم صلى قبل أن يتوضأ)

ثم عنون ابن حبان بعد ذلك في صحيحه([80]) فقال :

( ذكر البيان بأن هذا الطعام الذي لم يتوضأ صلى الله عليه وسلم من أكله كان لحم شاة لا لحم إبل .

]1134[ أخبرنا عمر بن محمد الهمداني ، قال حدثنا الحسن بن خزعة ، قال حدثنا محمد بن عبدالرحمن الطفاوي ، قال : حدثنا أيوب([81]) عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبدالله قال : دعت امرأة من الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم على شاة فأكل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، فحضرت الصلاة فتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم عاد إلى بقيتها فأكلوا ، فحضرت العصر فلم يتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم …

الرد الثالث : إن القرائن التي تحف بالدليل المدعى نسخه تؤكد عدم النسخ ومن ذلك :

1- إن الدليل أمر بالوضوء من أكل لحم الإبل ولم يأمر به في لحم الغنم مع أنه لا فرق بينهما ، فلو كان هناك نسخ بسبب مس النار لساوى بينهما .([82])

2- إن الدليل يدل على أن أكل ما مسته النار لا ينقض الوضوء حيث خير النبي صلى الله عليه وسلم السائل في الوضوء من لحم الغنم بين الفعل والترك ، وهذا هو نفس ما يدل عليه الدليل الناسخ عندكم ، فكيف يكون دليلنا منسوخاً ؟ .

3- إن الدليل إذا كان منسوخاً لأنه من باب ما مسته النار – كما تقررون – فإن هذا يقتضي أن ينسخ شطر الحديث – عدم الأمر بالوضوء من لحم الغنم – شطره الآخر - الأمر بالوضوء من لحم الإبل – وهذا غير ممكن .

4- إن الدليل أمر بالوضوء من لحم الإبل مع نهيه عن الصلاة في مباركها في سياق واحد مع ترخصه في ترك الوضوء من لحم الغنم وإذنه في الصلاة في مرابضها ، أي أن الإبل اختصت بوصف قابلت به الغنم واستوجبت لأجله فعل التوضؤ وترك الصلاة ، وهذا الحكم باق ثابت في الصلاة فكذلك ينبغي أن يكون في الوضوء([83]) .

المناقشة الثانية :

إن المراد بالوضوء في الدليل غسل اليدين والفم ( الوضوء اللغوي ) ([84]) لما يأتي :

أولا : الجمع بين الأحاديث الدالة على ترك الوضوء مما غيرت النار([85]) وبين دليلكم الذي يأمر بالوضوء من أكل لحم الإبل ، قال العلامة القرافي في الذخيرة([86]) :

( أكل ما مسته النار أو شربه لا يوجب وضوءاً خلافاً لأحمد في لحوم الإبل … لما في الموطأ ([87]) أنه عليه السلام أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ ، وأما الأحاديث الواردة في الوضوء فمحمولة على الوضوء اللغوي جمعاً بين الأحاديث ) .

وأجيب بما سبق من أنه لا تعارض بين دليلنا الذي يوجب الوضوء من أكل لحم الإبل وبين الأدلة الدالة على ترك الوضوء مما مستهالنار – كما بينا ([88]) سابقاً – فلا حاجة للجمع أصلاً .

ثانياً : إن إطلاق الوضوء على غسل اليدين استعمال شائع في عرف الشرع، قال في رأب الصدع ([89]) : ( … حديث جابر بن سمرة والبراء متأولان على معنى النظافة ونفي الزهومة … وذلك استعمال شايع في عرف الشرع .

أقول : ولا يلتفت إلى القول بأن الوضوء في عرف الشرع إنما يطلق على غسل جميع أعضاء الوضوء ، إذ يطلق في عرف الشرع على غسل اليدين ، قال في النهاية ([90]) : الوضوء قد يراد به غسل بعض الأعضاء ) .

ومن الأدلة على هذا الاستعمال([91]) ما يلي :

· ما أخرجه الترمذي في جامعه([92]) بسنده عن عِكْراش بن ذؤيب وفيه ( .. ثم أتينا بماء فغسل رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ومسح ببلل كفيه وجهه وذراعيه ورأسه ، وقال : يا عكراش هذا الوضوء مما غيرت النار ) .

· ما أخرجه البيهقي في سننه([93]) بسنده عن معاذ بن جبل أنه قال :

( ليس الوضوء من الرعاف والقيء ومس الذكر وما مست النار بواجب فقيل له :

إن أناساً يقولون إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : توضؤوا مما مست النار، فقال : إن قوماً سمعوا ولم يعوا ، كنا نسمي غسل اليد والفم وضوءاً وليس بواجب، وإنما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمنين أن يغسلوا أيديهم وأفواههم مما مست النار وليس بواجب ) .

· ما أخرجه الترمذي في جامعه([94]) بسنده عن سلمان الفارسي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده ) .

· ما أخرجه الطبراني في الأوسط بسنده عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الوضوء قبل الطعام وبعده مما ينفي الفقر وهو من سنن المرسلين .([95])

· ما روى عنه صلى الله عليه وسلم من قوله ( توضؤوا من اللبن فإن له دسما ) . ([96])

قلت : وقد بحثت عن هذا الحديث بهذا اللفظ في المصادر الحديثية المتوفرة عندي فلم أجده . ([97])

وأجيب بالآتي :

أ- لا يسلم لكم أن إطلاق الوضوء على غسل اليدين استعمال شائع في عرف الشرع لسببين :

الأول : الأدلة التي سيقت للدلالة على هذا الاستعمال غير ثابتة كما رأينا فلا حجة فيها .

الثاني : حديثا سلمان ومعاذ رضي الله عنهما ليس فيهما ما يدل على
الدعوى ، بل هو استدلال بمكان النزاع ، إذ كيف يفسر فيهما الوضوء الذي جاء مطلقاً أن المقصود به الوضوء اللغوي ؟ .



وحديث الوضوء من اللبن لم يثبت بلفظ الوضوء بل ثبت كما رأينا عند البخاري وغيره بلفظ المضمضة .

وأما حديثا معاذ وعكراش رضي الله عنهما فهما صريحان في تفسير

الوضوء مما مست النار بالوضوء اللغوي ولكنهما – مع ضعفهما سنداً – يخالفان ما ثبت عن جمع من الصحابة([98]) والتابعين وعامة فقهاء الأمة من أن الوضوء مما غيرت النار يقصد به الوضوء الشرعي لا اللغوي . ([99])

قال الحافظ ابن عبدالبر في التمهيد([100]) :

( وذهب بعض من تكلم في تفسير حديث النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن قوله عليه السلام توضؤوا مما مست النار أنه عني به غسل اليد لأن الوضوء مأخوذ من الوضاءة وهي النظافة ، فكأنه قال : فنظفوا أيديكم من غمر([101]) ما مست النار ، ومن دسم ما مست النار، وهذا لا معنى له عند أهل العلم ولو كان كما ظن هذا القائل لكان دسم ما لم تمسه النار، وودك([102]) ما لم تمسه النار لا يتنظف منه ، ولا تغسل منه اليد ، وهذا لا يصح عند ذي لب .

وتأويله هذا يدل على ضعف نظره ، وقلة علمه بما جاء عن السلف في هذه المسألة ) .

ب- إن إطلاق لفظ الوضوء على الوضوء للصلاة في استعمال الشارع هو من باب الحقيقة الشرعية للآتي :

· إنه لفظ استعمل في ما وضع له بوضع الشارع . ([103])

· إنه هو المتبادر إلى الذهن عند الإطلاق ، وهذه علامة
الحقيقة([104]) .



· إن التأويل – وقد أقرَّبه المخالفون – لا يكون إلا على خلاف الأصل ( الوضوء الشرعي ) .

قال الإمام الخطابي في معالم السنن([105]) :

( … وأما عامة الفقهاء فمعني الوضوء عندهم متأول على الوضوء الذي هو النظافة ونفي الزهومة … ) .

وإذا كان الوضوء للصلاة من باب الحقيقة الشرعية فإنه عند الإطلاق يصرف إلى المعنى الشرعي لا اللغوي ما لم يوجد دليل يصرفه إلى المعنى اللغوي([106]).

· ( إنه لا يطلق الوضوء في الشريعة إلا لوضوء الصلاة فقط ، وقد أنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم إيقاع هذه اللفظة على غير الوضوء
للصلاة ، كما رويناه([107]) من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن سعيد بن الحويرث عن ابن عباس قال : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء من الغائط وأتى بطعام ، فقيل: ألا تتوضأ ؟ فقال عليه السلام لم أصلى فأتوضأ ) ([108]) .

ثالثاً- إن النبي عليه السلام لو أراد في الحديث الوضوء للصلاة لقال كما قال([109]): من جامع

ولو يمن فليتوضأ كما يتوضأ للصلاة ويغسل ذكره([110]) .

وأجيب بالآتي :

أ- إن قولكم يقتضي أن ما جاء بلفظ الوضوء في الأحاديث النبوية غير مقيد بهذا القيد فانه لا يحمل على الوضوء الذي للصلاة ( الشرعي ) ، وهذا لا يقول به أحد لأن غالب أحكام الوضوء جاءت في أحاديث مطلقة من القيد السابق .

ب- إن هذا القيد كان منه عليه الصلاة والسلام قبل استقرار وانتشار المعنى الشرعي للوضوء ( في أول الإسلام ) ، يؤكد ذلك ما أخرجه الإمام ابن خزيمة([111]) وغيره بسنده عن أبي بن كعب قال : إن الفتيا التي كانوا يقولون
( الماء من الماء ) رخصة رخصها رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول الإسلام ثم أمر بالغسل بعدها ) .

ج‍- ما سبق من أن لفظ الوضوء حقيقة شرعية في الوضوء الذي للصلاة فلا يعدل عنه عند الإطلاق إلا بدليل .

رابعاً- إن النبي صلى الله عليه وسلم ( قال صلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل ، وليس ذلك من أجل أن بين الأمرين فرقاً في باب الطهارة والنجاسة لأن الناس على أحد قولين : أما قائل يرى نجاسة الأبوال كلها ، أو قائل يرى طهارة بول ما يؤكل لحمه، والغنم والإبل سواء عند الفريقين في القضيتين معاً .

وإنما نهى عن الصلاة في مبارك الإبل لأن فيها نفاراً وشراداً لا يؤمن أن تتخبط المصلي إذا صلى بحضرتها أو تفسد عليه صلاته ، وهذا المعنى مأمون من الغنم لما فيها من السكون وقلة النفار ، ومعلوم أن في لحم الإبل من الحرارة وشدة الزهومة ما ليس في لحوم الغنم ، فكان معنى الأمر بالوضوء منه منصرفاً إلى غسل اليد لوجود سببه دون الوضوء الذي هو من أجل رفع الحدث لعدم سببه )([112]) .

ويظهر لنا من هذا الدليل ما يلي :

1- إن النهي عن الصلاة في معاطن الإبل والأمر بها في مرابض الغنم حكم معلل بالسكون في الغنم والنفار في الإبل .

2- إن الأمر بالوضوء من لحم الإبل – في نفس الدليل – معلل مثله ، والعلة فيه شدة الزهومة في لحم الإبل .

3- إن العلة المذكورة – شدة الزهومة – تصرف الوضوء من معناه الشرعي ( الوضوء للصلاة ) إلى معناه اللغوي ( النظافة ) .

وأجب بالآتي :

عدم التسليم بالتعليل في الحكم الأول ( النهي عن الصلاة في معاطن
الإبل .. ) لأن الحكم تعبدي([113]) ، يؤكد ذلك ما أخرجه أبو داود في سننه([114]) عن البراء بن عازب قال :

( … وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل فقال : لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها من الشيطان ، وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم فقال : صلوا فيها فإنها بركة ) .

· لو سلمنا – جدلاً – بالتعليل المذكور في الصورة الأولى فظاهر أن الحكمين تعاكسا لتعاكس العلة ، النفار في الإبل والسكون في الغنم ، أما الصورة الثانية ( الوضوء من لحم الإبل …) فإن الزهومة علة مشتركة بين لحم الإبل والغنم فافترقت الصورتان .

إن جعل إزالة الزهومة علة للأمر بالوضوء اللغوي ( النظافة ) يرده أن الشارع فرق في الحكم بين لحم الإبل ولحم الغنم فأمر بذلك في لحم الإبل ولم يأمر في لحم الغنم مع أن إزالة الزهومة ( النظافة ) مطلوبة في الحالين.

يؤكد ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

( من بات وفي يده ريح غمر فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه )([115]) .



ولا يقال إن في لحم الإبل زيادة زهومة على لحم الغنم لأن ذلك لا يوجب اختصاص الإبل الحكم إذ أنه عليه السلام شرب لبناً فمضمض وقال إن له دسماً([116])، وفي رواية ابن ماجه([117]):

( إذا شربتم اللبن فمضمضوا فإن له دسماً ) .([118])

ومن هذا العرض للقرائن الصارفة للوضوء عن معناه الشرعي إلى معناه اللغوي والمناقشات الواردة عليها يتضح لنا ضعف هذه القرائن الصارفة وسقوطها ، بل إن الدليل المؤول حفت به قرائن تؤكد إرادة المعنى الشرعي للوضوء وتنفي إرادة المعنى اللغوي ، ونجمل هذه القرائن في الآتي :

1- إن راوي الدليل جابر بن سمرة رضي الله عنه فهم منه الوضوء الشرعي وهو أعلم بمعنى ما سمع .([119])

أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه([120]) بسنده عن جابر بن سمرة قال :

( كنا نتوضأ من لحوم الإبل ، ولا نتوضأ من لحوم الغنم ) .

2- إن الأمر للوجوب ما لم يصرفه صارف ، فإذا حمل الوضوء على غسل الفم واليدين اقتضى ذلك وجوبه ، ولا قائل به . ([121])

3- إن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الوضوء في سياق الصلاة مبيناً حكم الوضوء والصلاة في هذين النوعين ، والوضوء المقرون بالصلاة هو وضوؤها لا غير . ([122])

4- إن السائل إنما جاء يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن حكم الوضوء الشرعي لا عن نظافة يديه وفمه بعد أكل لحم الإبل أو الغنم .

5- ( إن الأمر بالتوضؤ من لحم الإبل : إن كان أمر إيجاب امتنع حمله على غسل اليد والفم ، وإن كان أمر استحباب امتنع رفع الاستحباب عن لحم
الغنم ، والحديث فيه أنه رفع عن لحم الغنم ما أثبته للحم الإبل ، وهذا يبطل كونه غسل اليد ، سواء كان حكم الحديث إيجاباً أو استحباباً ) . ([123])

المناقشة الثالثة :

إن الأمر في الدليل محمول على الاستحباب ، قال الإمام الماوردي في الحاوي([124]) الكبير .

(… وهذا الحديث محمول على الاستحباب والإرشاد ) .

وأجيب بأن ظاهر الأمر الوجوب عند جمهور الفقهاء([125])، ولا يجوز الخروج عن هذا الظاهر إلا بقرينة صارفة تكون في قوة الظاهر أو أقوى منه ، ولم يذكر أصحاب هذا التأويل هذه القرينة الصارفة ، فيبقى الأمر على أصله من الوجوب([126])، بل إن هذا الأمر حفت به قرائن تؤيد الظاهر وتؤكده ، وتمنع هذا التأويل ، ومن هذه القرائن ما يلي :

1 - إن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن حكم الوضوء من لحم الإبل فأجاب بالأمر بالوضوء منه فلا يجوز حمله على غير الوجوب لأنه يكون تلبيساً على السائل لا جواباً([127]) .

2 - إن الحكم ذكر في جواب السائل ، والحكم في مثل هذا لا يفهم منه إلا الإيجاب ، كالوضوء من الصوت والريح ومس الذكر ([128]) .

3 - إن الدليل فرق بين لحم الإبل ولحم الغنم ، والنهي في لحم الغنم إنما أفاد نفي الإيجاب لا التحريم، فيجب أن يكون في لحم الإبل مفيداً للإيجاب ليحصل الفرق([129]).

4 - إن الوضوء مستحب في لحم الغنم – ليخرج من خلاف من قال بوجوب الوضوء مما مست النار – وقد نفاه الدليل في لحم الغنم وأثبته في لحم الإبل ، فكيف يحمل الأمر على الاستحباب([130]) ؟ .

5 - إن الدليل أثبت صفة في الإبل تقتضي الوضوء ، والأصل في الأسباب المقتضية للوضوء أن نكون موجبة([131]) .

المناقشة الرابعة :

إن أكل لحم الإبل مما يغلب وجوده فلو جعل حدثاً لوقع الناس في الحرج([132]) .

ونوقش الدليل بالآتي :

1 - لا يسلم لكم أن جعل أكل لحم الإبل حدثاً يؤدي إلى الحرج ، إذ الواقع ينفي ذلك لأن الإنسان لا يأكل في العادة لحم الإبل ( أو غيره من
اللحوم ) إلا مرة في اليوم أو مرتين على الأكثر ، فإذا توضأ الإنسان بعد ذلك الأكل ( مرة أو مرتين ) فأين وجه الحرج ؟.

2 - إن خروج البول حدثٌ بالإجماع يوجب الوضوء ، وهو أكثر وجوداً من أكل لحم الإبل إذ الإنسان عادة ما يتبول أكثر من مرتين في اليوم ، ومع ذلك لم يكن ذلك سبباً لإيقاع الناس في الحرج .

3 - إن المشقة المعتادة لا تسمى حرجاً ، قال الإمام الشاطبي في الموافقات([133]) :

( … وأصل الحرج الضيق ، فما كان من معتادات المشقات في الأعمال المعتادة فليس بحرج لغة ولا شرعاً ) .

وقال أيضاً : ( … حيث تكون المشقة الواقعة بالمكلف في التكليف خارجة عن معتاد المشقات في الأعمال العادية ، حتى يحصل بها فساد ديني أو دنيوي ، فمقصود الشارع فيها الرفع على الجملة … ولذلك شرعت فيها الرخص مطلقاً .

وأما إذا لم تكن خارجة عن المعتاد ، وإنما وقعت على نحو ما تقع المشقة في مثلها من الأعمال العادية ، فالشارع وإن لم يقصد وقوعها فليس بقاصد لرفعها أيضاً ، والدليل على ذلك أنه لو كان قاصداً لرفعها لم يكن بقاء التكليف معها ، لأن كل عمل عادي أو غير عادي يستلزم تعباً وتكليفاً على قدره ، قلَّ أو
جلَّ ، إما في نفس العمل المكلف به ، وإما في خروج المكلف عما كان فيه إلى الدخول في عمل التكليف ، وإما فيهما معاً ، فإذا اقتضى الشرع رفع ذلك التعب كان ذلك اقتضاء لرفع العمل المكلف به من أصله ، وذلك غير صحيح ، فكان ما يستلزمه غير صحيح ) ([134]).

المناقشة الخامسة :

إن هذه الأحاديث آخبار آحاد وردت فيما تعم به البلوى ويغلب وجوده ولا يقبل خبر الواحد في مثله([135]) .

وأجيب بأن جمهور الفقهاء والأصوليين([136]) لا يسلمون بهذه القاعدة بل يرون أن أحاديث الآحاد يعمل بها فيما تغم به البلوى كما يعمل بها في غيره مادامت شروط الصحة قائمة .

إشكال ورده :

والإشكال هو :

أن الأمر في الحديث محمول على الإباحة ، لأنه أمر بعد استئذان([137]).

قال العلامة ابن اللحام في كتابه ( القواعد والفوائد الأصولية ) :

( إذا فرعنا على أن الأمر المجرد للوجوب، فوجد أمر بعد استئذان فإنه لا يقتضي الوجوب، بل الإباحة ، ذكره القاضي محل وفاق ، قلت : وكذلك ابن عقيل … .

إذا تقرر هذا فلا يستقيم قول القاضي وابن عقيل في استدلالهما على نقض الوضوء بلحم الإبل بقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم ، لما سئل عن التوضي من لحوم الإبل فقال : ( نعم ، فتوضأ من لحوم الإبل ) .

ومما يقوي الإشكال أن في الحديث الأمر بالصلاة في مرابض الغنم ، وهو بعد سؤال ، ولا يجب بلا خلاف …)([138]) .

ثم أجاب ابن اللحام عن هذا الإشكال – بصيغة التمريض – بقوله :

( وقد يقال : الحديث إنما ذكر فيه بيان وجوب ما يتوضأ منه ، بدليل أنه لما سئل عن الوضوء من لحوم الغنم قال : ( إن شئت فتوضأ ، وإن شئت فلا
تتوضأ ) مع أن التوضي من لحوم الغنم مباح ، فلما خير في لحم الغنم ، وأمر بالوضوء من لحوم الإبل دل على أن الأمر ليس هو لمجرد الإذن بل للطلب الجازم ، والله أعلم )([139]) .

قلت : ويمكن أن يعقب على هذا الإشكال بالتالي :

إن الأصوليين مختلفون في دلالة الأمر([140]) بعد الاستئذان فإذا كان بعضهم يذهب إلى الإباحة فإن الكثير منهم يقرر الوجوب([141]) .

1 - إن جعل العلامة ابن اللحام الحديث ( أتوضأ من لحوم الإبل ؟ … ) من باب الأمر بعد الاستئذان غير ظاهر لي لأن الاستئذان طلب إباحة الشيء وإجازته ، قال في المفردات([142]) : ( والإذن في الشيء إعلام بإجازته والرخصة فيه ) .

وقال في المصباح المنير([143]): ( أذنت له في كذا : أطلقت له فعله ) .

وقال في لسان العرب([144]) ( أذن له في الشيء إذنا وأذيناً : أباحه له ) .



أقول : وهذا يقتضي – كما هو ظاهر – أن الشيء كان قبل الاستئذان محظوراً على المستأذن ، أي أن الأمر بعد الاستئذان هو في معنى الأمر بعد
الحظر ، ولذا رأينا الأصوليين يقرنون([145]) بين الأمر بعد الاستئذان والأمر بعد الحظر في الحكم .

أما ما جاء في الحديث ( أتوضأ من لحوم الإبل ؟ … ) فليس استئذاناً لأنه ليس طلباً للإباحة أو الإطلاق في أمر قد تقرر حظره على السائل قبل ، بل هو أمر بعد سؤال السائل النبي صلى الله عليه وسلم عن حكم الوضوء من لحم الإبل ، والأمر بعد السؤال يقرره مقتضى السؤال أهو عن الوجوب أو الإباحة أو الإجزاء ؟ كما قرر ذلك الإمام ابن قدامة ([146]) في المغني بقوله :

(… ومنها أن السائل سأل النبي صلى الله عليه وسلم هل يفعل ذلك أم
لا ؟ وجوابه يختلف باختلاف مقتضى سؤاله ، فإن كان مقتضاه السؤال عن الإباحة فالأمر في جوابه يقتضي الإباحة ، وإن كان السؤال عن الاجزاء فأمره يقتضي الاجزاء … وإن كان سؤالهم عن الوجوب فأمره يقتضي الوجوب كقولهم ( أنتوضأ من لحوم الإبل ؟ قال : توضؤوا من لحوم الإبل … ) .

القائلون بعدم النقض :

ذهب الحنفية([147])، والمالكية([148])، والشافعية في الصحيح([149]) عندهم ، والزيدية([150])، إلى أن أكل لحم الإبل لا ينقض الوضوء ، وهو رواية([151]) عن الإمام أحمد ، وقول سويد بن غفلة([152])، ومجاهد([153])، وعطاء([154]) بن أبي رباح ،
وطاوس([155]) ، وسفيان الثوري([156]) ، وإبراهيم النخعي([157])، والليث بن سعد([158]) ، والأوزاعي([159]) .



أدلة القائلين بعدم النقض :

الدليل الأول : ما أخرجه الإمام أبو داود([160])– وغيره([161])– في سننه بسنده عن جابر بن عبدالله قال(كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم: ترك الوضوء مما غيرت النار).

درجته : صحح الحديث ابن خزيمة([162]) والنووي([163]) وأحمد([164])شاكر والألباني([165]).

وجه الدلالة : إن لحم الإبل فرد من أفراد ما غيرت النار ، والدليل يدل على نسخ وجوب الوضوء مما غيرت النار لأن النبي صلى الله عليه وسلم ترك في آخر الأمر الوضوء من أكل ما غيرت النار وهذا يستلزم أن لا يكون أكل لحم الإبل ناقضاً للوضوء .

قلت : وقد سبق رد دعوى النسخ هذه في المناقشة الأولى وبيان ما أورد على هذا الحديث من إشكال .

الدليل الثاني : ما أخرجه البيهقي في سننه([166]) من حديث ابن عباس مرفوعاً: ( إنما الوضوء مما خرج وليس مما دخل ) .

وجه الدلالة : إن الدليل حصر نواقض الوضوء فيما يخرج من البدن نجساً ولا يوجد ذلك في أكل لحم الإبل لأنه داخل للبدن فلا يكون ناقضاً([167]).

ونوقش الدليل بالآتي :

إن الحديث المرفوع ضعيف من ناحية السند فلا حجة فيه ، ولكنه ثبت موقوفاً من قول ابن عباس([168]) وغيره .

أ - لو سلمنا جدلاً بصحة الحديث فإنه لا يدل على الدعوى لما يلي :



ب - إن حديث النقض بأكل لحم الإبل أخص منه والخاص يقدم على العام جمعاً بين الأدلة([169]) .

ج - إن حديث النقض أصح منه فيجب تقديمه عليه مع افتراض عدم إمكان الجمع([170]).

د- إن الحديث محمول على غير لحم الإبل([171])، وإنما هو في ترك الوضوء مما غيرت النار ، وسياق الحديث في سنن البيهقي يشير إلى ذلك إذ جاء فيه :

( … عن ابن عباس أنه ذكر عنده الوضوء من الطعام … فقال : إنما الوضوء مما خرج وليس مما دخل )([172])، ولهذا قال الإمام البيهقي في سننه([173]):

( وروينا عن علي بن أبي طالب وابن عباس الوضوء مما خرج وليس مما دخل ، وإنما قالا ذلك في ترك الوضوء مما مست النار ) .

الدليل الثالث : ما أخرجه البزار في مسنده([174])بسنده عن أبي بكر الصديق أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( لا يتوضأن أحدكم من طعام أكله ، حلّ له أكله ) ([175]) .

وجه الدلالة : إن الدليل نفى وجوب الوضوء من مطلق طعام مباح فدخل في ذلك لحم الإبل .

ونوقش الدليل بالآتي :

1 - إن الحديث ضعيف([176]) فلا حجة فيه .

2 - إن الدليل – على فرض صحته – عام ودليل النقض بلحم الإبل خاص فيقدم الخاص على العام كما هو مقرر في الأصول .

الدليل الرابع([177]) :

إن عدم النقض قول جمهور الصحابة والخلفاء الراشدين الذين أمرنا([178]) باتباعهم .

ونوقش الدليل بالآتي :

1 - إن هذه دعوى تحتاج إلى دليل ، إذ أين النقل الصحيح في ذلك عن جمهور الصحابة والخلفاء الراشدين([179]) ؟

2 - إن من نقل ذلك عنهم كالإمام النووي رحمه الله كان واهماً.

يقول الإمام ابن تيمية في القواعد النورانية([180]) .

( … وأما من نقل عن الخلفاء الراشدين أو جمهور الصحابة خلاف هذه المسائل وأنهم لم يكونوا يتوضؤون من لحوم الإبل فقد غلط عليهم ، وإنما توهم ذلك لما نقل عنهم أنهم كانوا لا يتوضؤون مما مست النار ، وإنما المراد أن كل ما مس النار ليس هو سبباً عندهم لوجوب الوضوء ، والذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من الوضوء من لحم الإبل ليس سببه مس النار … ) .

قال المحدث الألباني في تمام([181]) المنة معقباً على ما ذكره ابن تيمية :

( قلت : ويؤيد ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن الطحاوي –1/41-، والبيهقي –1/157- رويا عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه أنا أبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب أكلا خبزاً ولحماً فصليا ولم يتوضيا ، ثم أخرجا نحوه عن عثمان ، والبيهقي عن علي .

فأنت تري أنه ليس في هذه الآثار ذكر للحم الإبل البتة ، وإنما ذكر فيها اللحم مطلقاً وهذا لو كان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لوجب حمله على غير لحم الإبل دفعاً للتعارض، فكيف وهو عن غيره صلى الله عليه وسلم ، فحمله على غير لحم الإبل واجب من باب أولى ، حملاً لأعمالهم على موافقة الشريعة لا على مخالفتها ، ولذلك أورد الطحاوي والبيهقي هذه الآثار في باب الوضوء مما مست النار … ) .

3 - إن الآثار التي رويت عن بعض الصحابة والتي تدل على عدم النقض ضعيفة وهي :

أ- ما أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفة([182]) قال ( حدثنا وكيع عن سفيان عن جابر عن أبي سبرة النخعي أن عمر بن الخطاب أكل لحم جزور ثم قام فصلى ولم يتوضأ ) ، وهذا إسناد ضعيف([183]) .

ب- ما أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه([184]) قال : ( حدثنا وكيع عن شريك عن جابر عن عبدالله بن الحسن أن علياً أكل لحم جزور ثم صلى ولم يتوضأ ) وهذا إسناد ضعيف([185]) .

ج- ما أخرجه البيهقي في سننه([186]) بسنده عن أبي جعفر قال : ( أتي ابن مسعود بقصعة من الكبد والسنام ولحم الجزور فأكل ولم يتوضأ ، وهذا منقطع موقوف ) .

د- ما أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ([187]) قال ( حدثنا عائذ ([188]) بن حبيب عن يحي ([189]) بن قيس قال : رأيت ابن عمر أكل لحم جزور وشرب لبن الإبل وصلى ولم يتوضأ )([190]).

4- إن المنقول عن الصحابة رضوان الله عليهم بسنده صحيح خلاف ذلك فقد أخرج ابن شيبة في مصنفه([191])بسند صحيح([192]) عن جابر بن سمرة قال : ( كنا نتوضأ من لحوم الإبل ولا نتوضأ من لحوم الغنم ) .

ومعناه : أي كنا جماعة الصحابة نفعل ذلك ، لأن الظاهر أن الضمير يعود للجميع فيدل على فعل الجماعة دون بعضهم ، فيكون حجة لأنه إجماع([193]) .

قال الإمام الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام ([194]) :

( إذا قال الصحابي : كنا نفعل كذا ، وكانوا يفعلون كذا … فهو عند الأكثر محمول على فعل الجماعة دون بعضهم ، خلافاً لبعض الأصوليين .

ويدل على مذهب الأكثر أن الظاهر من الصحابي أنه إنما أورد ذلك في معرض الاحتجاج ، وإنما يكون ذلك حجة أن لو كان ما نقله مستنداً إلى فعل الجميع ، لأن فعل البعض لا يكون حجة على البعض الآخر ، ولا على غيرهم .

فان قيل : لو كان ذلك مستنداً إلى فعل الجميع لكان إجماعاً ، ولما ساغ مخالفته بطريق الاجتهاد فيه ، حيث سوغتم ذلك دل على عوده إلى البعض دون الكل .

قلنا : تسويغ الاجتهاد فيه إنما كان لأن اضافة ذلك إلى الجميع وقع ظناً لا قطعاً ، وذلك كما يسوغ الاجتهاد فيما يرويه الواحـد من الألفاظ القاطعة في الدلالة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، لما كان طريق اتباعه ظنياً ، وإن كان لا يسوغ فيه الاجتهاد عند ما إذا ثبت بطريق قاطع ) .

الدليل الخامس : القياس على البقر والغنم بجامع أن الجميع حيوان ، قال القاضي عبدالوهاب في الإشراف على مسائل الخلاف([195]) : ( ولأنه حيوان فلم يجب بأكله الوضوء كالبقر والغنم ) .

الدليل السادس : القياس على الخبز ونحوه بجامع أنه مأكول ، قال القاضي عبدالوهاب في المعونة([196]) : ( ولأنه مأكول فأشبه الخبز ) .

الدليل السابع : القياس على لحم الضأن بجامع أنه لحم ، قال الإمام الباجي في المنتقى([197]) :

( لحم فلم يجب بأكله وضوء كلحم الضأن ) .

وأجيب عن هذه الأقيسة بالآتي :

1 - منع التعليل في الفرع لأن حكمه تعبدي غير معلل ، قال الإمام الكلوذاني في الانتصار([198])… الطهارة تعبد شرعي لا يعقل معناه فوقف على ما شرعه الشرع فيه)، وقال الإمام الفتوحي في معونة أولي النهى([199])
( … الصحيح من المذهب أن الوضوء من لحم الإبل تعبدي وعليه الأصحاب).

2 - لو سلمنا بأن الحكم معلل([200]) فإن هذا القياس فاسد لأنه يصادم نصاً خاصاً فلا عبرة به، يقول العلامة ابن القيم في أعلام الموقعين([201]) :

( … الشارع فرق بين اللحمين ، كما فرق بين المكانين ، …… فأمر بالصلاة في مرابض الغنم دون أعطان الإبل ، وأمر بالتوضؤ من لحوم الإبل دون الغنم ، كما فرق بين الربا والبيع والمزكى والميتة ، فالقياس الذي يتضمن التسوية بين ما فرق الله بينه من أبطل القياس وأفسده ) .

3- إنه قياس مع الفارق لأن في الفرع ( لحم الإبل ) قوة شيطانية نارية غير موجودة في الأصل ( الخبز ولحم الضأن وغيره من المأكولات المباحة ) ، والوضوء يطفئ تلك القوة الشيطانية النارية .

يقول العلامة ابن القيم في أعلام الموقعين([202]):

( … وقد جاء أن على ذروة كل بعير شيطان([203])، وجاء أنها جن خلقت من جن([204])، ففيها قوة شيطانية ، والغاذي شبيه بالمغتذى ، ولهذا حرم كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير ، لأنها دواب عادية ، فالا غتذاء بها يجعل في طبيعة المغتذي من العدوان ما يضره في دينه ، فإذا اغتذى من لحوم الإبل وفيها القوة الشيطانية ، والشيطان خلق من نار ، والنار تطفأ بالماء ، وهكذا جاء الحديث ، ونظيره الحديث الآخر([205]) ( إن الغضب من الشيطان فإذا غضب أحدكم فليتوضأ ) ، فإذا توضأ العبد من لحوم الإبل كان في وضوئه ما يطفئ تلك القوة الشيطانية فتزول تلك المفسدة ) .

4- إنه قياسي طردي([206]) فاسد ، قال الإمام ابن قدامة في المغني([207]):
( وقياسهم فاسد ، فإنه طردي لا معنى فيه ، وانتفاء الحكم في سائر المأكولات لانتفاء المقتضى لا بكونه مأكولاً فلا أثر لكونه مأكولاً([208]) ووجوده كعدمه ) .

الدليل الثامن :

إن أكل لحم الإبل نوع من الانتفاع به ، والانتفاع بلحم الإبل من بيع وغيره لا يوجب الوضوء .

قال القاضي عبدالوهاب في الإشراف([209]) : ( ولأن الأكل نوع من الانتفاع به فلم يجب به وضوء ، أصله البيع وغيره ) .

وأجيب بالآتي :

1 - ما سبق من أن الحكم تعبدي ولا مدخل للقياس فيه .

2 - ما سبق من أن القياس هنا فاسد لمصادمته للنص الخاص .

3 - الفرق الظاهر بين الانتفاع بالبيع والإجارة والهبة ونحوها وبين الانتفاع بالأكل ، فقد أباح الشرع للرجل الانتفاع ببيع الذهب والحرير ولم يبح له الانتفاع بلبسهما، وأباح للمسلم الانتفاع بجلد الميتة بعد دبغه ولم يبح له الانتفاع بأكل لحم الميتة .

• • •

الخاتمة :

بعد هذا العرض لآراء الفقهاء وأدلتهم ومناقشاتهم يتضح لنا رجحان القول بنقض الوضوء من أكل لحم الإبل للآتي :

1- صحة أدلة القائلين بالنقض وظهور دلالتها على محل الحكم .

2- ضعف أدلة القائلين بعدم بالنقض لورود المناقشات القوية عليها .

3- ضعف المناقشات الواردة على أدلة القائلين بالنقض لورود الأجوبة القوية عليها .

4- فعل ذلك من عامة الصحابة أو أكثرهم على ما بينا سابقاً([210]) .

5- إن أدلة النقض النقلية خاصة وأدلة عدم النقض النقلية عامه ، والخاص مقدم على العام كما هو مقرر في الأصول([211]) .

6- إن أدلة النقض قولية وأدلة عدم النقض فعلية ، والقول مرجح على الفعل([212]) .

7- إن القول بالنقض إثبات للحكم والقول بعدم النقض نفي ، والمثبت مقدم على النافي([213]) .

8- إن القول بالنقض موافق للقياس الصحيح على ما بينا سابقاً([214]) .

9- إن القول بالنقض هو الأحوط للمسلم وأبرأ لذمته([215]) ، خاصة في مجال العبادات .

هذا ما ترجح عندي حسب جهدي المتواضع ، والمسألة كما قلت خلافية ، وكل اجتهاد قابل للصواب والخطأ ، وترجيح أحد القولين لا يقلل من قيمة القول الآخر ولا يعطي الحق في الإنكار على من أخذ به كما هو مقرر عند الفقهاء والأصوليين .





الحواشي والتعليقات
http://www.mzayan.com/autohtml.php?o...&name=wado.htm

التعديل الأخير تم بواسطة مسك الختام ; 13-06-2006 الساعة 02:21 PM.
    رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
إضافة رد
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

 


بحث عن:

 

Skin EdiTe By ViSiOn

Powered by vBulletin® Version, Copyright ©2000 - 2009, Jelsoft Enterprises Ltd.

  web site traffic counters


 
 

:: شبكة رسمـ كمـ للتصميمـ ::